حبيب البستاني*
في خضم الأحداث المتلاحقة وحركة المندوبين المتواصلة الذين يتنقلون بين التهديدات من جهة والتطمينات المشروطة من جهة ثانية، وكأن لبنان أضحى كرة صغيرة يتقاذفها الكبار في ملعب مفتوح على كل الاحتمالات، يبقى الحكم اللبناني مشرذماً بين لا مبالاة من جهة ولا إرادة من جهة ثانية، سياسيون تعصف بهم رياح الانقسامات همّهم ليس مصلحة البلد إنما تحقيق مصالحهم الضيقة من انتخابية ومالية وشعبوية. فكأن شعار المرحلة أصبح ليس إجراء الإصلاحات وإعادة الإعمار كما وعدوا إنما الإمعان في إذلال المواطن والإمعان في كشف البلد اقتصادياً وأمنياً. فلم يكفِ المواطن ما يتعرّض له من استهدافات أمنية من قبل الدولة العبرية، حتى أن المسيّرات وصلت إلى أجواء السراي الحكومي والقصر الرئاسي في بعبدا ولاحقت موكب رئيس المجلس النيابي، في تهديد لا ينطوي فحسب على انتهاك للسيادة، إنما يحمل في طياته كل معاني الإذلال لمن يفترض أن يقوموا هم بتولّي الدفاع عن الوطن والمواطنين، فإذا كانت المقرات الحكومية عرضة للانتهاك فماذا عن بيوت المواطنين وأملاكهم وأرزاقهم؟ وإلى من يلتجئ المواطن العادي ولا سيما الجنوبي طلباً للحماية؟ وهل من حماية لهم؟ أسئلة كبيرة وكثيرة يطرحها الناس ولكن لا جواب. إذن لم يكفِ المواطن كل هذه الخروقات إنما يجب إضافة الأزمة الاقتصادية والمالية التي لم تجد بعد حلاً لها، وجاءت زيادة الأقساط المدرسية لتشكّل «الشعرة التي قصمت ظهر البعير».
هيكلة المصارف ووعود البنك الدولي
في كل صباح يطالعنا الخبراء الماليون والاقتصاديون وما أكثرهم، على خطط جديدة لإصلاح القطاع المصرفي وإعادة الانتظام المالي، ويعدون بإصلاحات تبدأ بإعادة هيكلة المصارف وقوانين جديدة لتحديد الفجوة المالية، وهوية من يتحمّل خسائر المصارف المقدّرة بأكثر من ثمانين مليار دولار والتي يسعى البنك المركزي وبناء على نصيحة البنك الدولي إلى تقليصها إلى حوالي 55 مليار دولار، مما يعني شطباً لقسم كبير من الودائع. ويتركّز اهتمام البنك الدولي بجعل حجم الفجوة المالية قابلة للسداد وذلك قبل الشروع بإعطاء قروض للبنان. أما المسؤولين الماليين اللبنانيين فإن كل همّهم هو حماية أصحاب المصارف ورؤوس أموالهم وهم يحاولون تحميل الدولة اللبنانية القسم الأكبر من الفجوة المالية. من هنا يوماً بعد يوم يبدو الحل المالي أكثر تعقيداً وتبدو مشكلة المصارف مرتبطة أكثر وأكثر بمصالح أصحاب المصارف الذين يتمنعون عن السداد، وفي الوقت نفسه يرفضون اللجوء إلى تصفية المصارف المتعثرة ودمج المصارف القابلة للحياة بمصارف كبيرة. مما يعني أنه وفي حال عدم اللجوء إلى تقليص عدد المصارف العاملة في لبنان فإن الأزمة المالية مستمرة إلى ما شاء الله، فالناس لا يمكنها أن تعيد الثقة بالمصارف التي تسببت بنهب ودائعها فيما أصحاب المصارف ومن ورائهم يحاولون إعادة الثقة بمصارفهم، معللين ذلك بضرورة إحياء القطاع المصرفي الذي من دونه لا قيامة للاقتصاد اللبناني، فإذا كان هنالك من ضرورة لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي فإن ذلك لا يعني الثقة بالمصرفيين الذين فشلوا بالحفاظ على أموال الناس.
البلد مهدّد والبحث جارٍ عن جنس الملائكة
ارتبط سقوط القسطنطينية بانشغال رجال الدين فيها بالبحث عن جنس الملائكة، ففي الوقت الذي كان العثمانيون يحاصرون مدينة القسطنطينية، كان شيوخها ورجال الدين داخلها يجرون نقاشات معمّقة حول جنس الملائكة، وقد أدّى ذلك إلى سقوط المدينة. هذا الجدل البيزنطي هو نفسه ما يدور في الوقت الحالي في لبنان، فالحكام والسياسيون منقسمون حول عدة مواضيع، فبين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة تضيع فرص السلام التي ينادي بها الأميركيون، والتي تدرّجت من حصرية السلاح إلى ضرورة إجراء مفاوضات تؤدي إلى اتفاق أمني وسياسي مع الجانب الإسرائيلي، يؤدي إلى وقف النار والبدء بالإعمار وتحقيق كل البنود الخلافية. وفي الوقت نفسه ينقسم ممثلو الشعب حول القانون الانتخابي وبدلاً من أن يكون بند انتخاب المغتربين بنداً موحّداً للبنانيين أصبح هذا البند مادة خلافية طغت على الأخطار المحدّقة بالبلد إن من الواجهة الجنوبية أو من الواجهة الشرقية على حد سواء. فمتى يعي المسؤولون في البلد حجم الأخطار المحدّقة بلبنان؟ ومتى يعي السياسيون أن لبنان أصبح بمواجهة أمرين لا ثالث لهما، إما الاستسلام وإما الانتحار، وأنه بات على الجميع التنازل عن أنانياته والعمل موحّدين في سبيل الإنقاذ، فوحدها وحدتنا هي سبيل خلاصنا.
* كاتب سياسي