السؤال المركزي المطروح، همساً وعلناً، وعبر أداة تعبير وشرعية أو غير شرعية هو، هل تجاوز لبنان، في السنة الثانية لعهد الرئيس جوزاف عون دائرة الخطر المحدق، إذا ما انفجر الموقف العسكري بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ودخلت إسرائيل على خط تسديد ضربات لمنشآت نووية أو استهداف لمرابض أو مخابئ الأسلحة من الصواريخ فرط صوتي أو غيرها المتروك للمفاجآت والهدف من التدخل الإسرائيلي ، ليس لحماية اسرائيل، بل لفرض شراكة في أية تسويات مقبلة، تتعلق بملف الاتفاقيات أو التفاهمات الأميركية الإيرانية، سواءٌ أوقعت الحرب أم لم تقع الحرب؟.
يأتي الخطر على لبنان من اسرائيل، لا سيما إذا ما تدخل حزب لله في المعركة، إذا ما كانت فاصلة أم كبيرة، لمؤازرة الجمهورية الإسلامية؟
هذا السؤال الكبير والمخيف، لا يقتصر فقط على إشغال الدبلوماسيين والمراقبين بالتماس إجابة عليه أو الإقتراب من مؤشرات تجعل الكلام في هذا المجال محصوراً بحدود المعلومات والوقائع..
في الواقع، تندرج زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة منذ السبت الماضي تاريخ المغادرة إلى تاريخ العودة في 5 شباط الجاري ، في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على الإمساك بالوضع على الأرض في ضوء تزايد المهمات المطلوبة منه سواءٌ جنوب نهر الليطاني، حيث حدث الإنجاز التاريخي بإعادة بسط سلطة الدولة على النحو الذي كانت عليه قبل اتفاق القاهرة غير السا،ر (أي بات اليوم طبعاً) أو الاحتياجات المطلوبة، لأن يتمكن الجيش، ذي المهام المتوسطة من الجنوب الى الشمال والشرق والجبل وكل لبنان من بسط سلطة كاملة، وردّ المخاطر المحدقة من الحدود، سواءٌ في الجنوب أو سواه، فضلاً عن «ميكانيزما» التعاون العسكري اللبناني مع القيادة الأميركية الوسطى، وأيضاً، سواءٌ وقعت الحرب (الأميركية - الإيرانية) أو جنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه «الإسبارطي» (أي المسكون بالحرب والسيطرة على غنائم النفط وتقاسم ثروات الشعوب الضعيفة إلى المفاوضات أو طريق الدبلوماسية، التي تعيد الإعتبار للقوة النفطية الإيرانية في السوق العالمي، على نحو ما حصل مع أكبر دولة نفطية في العالم فنزويلا.. حيث تستخرج الشركات الأميركية النفط الفنزويلي،وتبيعه،وترسل لحكومة نائبة الرئيس حصة، تقررها هي (أي واشنطن) من مردود النفط، وهو الثروة الوطنية التي يعتمد عليها الإقتصاد البوليفاري في الدولة الأميركية اللاتينية، التي عاشت لسنوات في دائرة التمدد والجنوح للخروج من السيطرة الأميركية..، فكان ما كان من غزو البلد، واعتقال الرئيس الشرعي للبلاد نيقولاس مادورو وإخضاعه الى المحاكمة في المحاكم الأميركية.. بالتهم الجاهزة والمعروفة وأبرزها الإتجار بالمخدرات..
وفي الوقائع أيضاً، تثبيت اللينك (Link) المالي بين وزارة المال في الجمهورية اللبنانية وصندوق النقد الدولي، بعد تصويت مجلس النواب اللبناني على موازنة العام 2026 وفقاً لقواعد الشراكة مع الصندوق، والتي أعلن وزير المال ياسين جابر التمسك بها، لئلا تتعرض الدولة ككيان قائم الى خطر السقوط..
بدأ لبنان الرسمي، رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة وبرلمان بعد آخر أشهره متماسكاً حول خيار الموازنة، بأرقامها وحساباتها، والإمتناع عن الإرتباط بزيادات وصفها الوزير جابر بالعشوائية على رواتب موظفي القطاع العام، في الخدمة والتقاعد، ولأسلاكه كافة..
وبمعزل عن تفضيل الكتل المسيحية، النأي عن التصويت أو التصويت ضد الموازنة، فإن المسار النيابي بمعدل لا يقل عن 70 نائباً كانوا يصرون على إصدار الموازنة من أجل الإنتظام المالي (وطريقة الحساب هي 59 نائباً مع الموازنة + 11 نائباً امتنعوا عن التصويت).
تمكنت كتل الثنائي الشيعي (أمل - حزب لله) وكتلة اللقاء الديمقراطي (الحزب التقدمي الإشتراكي) مع أصوات نواب من الإعتدال الوطني والتغييرين من تسديد ضربة لمحاولات هزّ الثقة، بالبلد للخارج للتوّ من التهشيم الذي تسبَّبت به الحرب الاسرائيلية على لبنان، بعد «حرب الإسناد» التي أعلنها حزب لله لصالح دعم حركات المقاومة في غزة في حرب طوفان الاقصى.
ومن الوقائع أيضاً، عودة اللجنة الخماسية الدولية - العربية لتقديم ما يلزم من عناية لجهة إعادة الحرارة إلى اجتماعات لجنة الميكانيزم لمراقبة اتفاق وقف النار الذي لم تلتزم به اسرائيل البتة باعتراف الميكانيزم واليونيفيل، ودول العالم أجمع.
ولعلّ المبادرة القطرية لتقديم ما يقرُب من مليار دولار كمساعدات للقوى العسكرية والشباب والإعمار وإعادة السوريين إلى بلادهم تؤكد أن انتشال الدولة اللبنانية من الضياع أمر راسخ، فضلاً عن تحديد موعد لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في 5 آذار المقبل..
هذا غيض من فيض الوقائع، أما في المعلومات، فإن مصادر دبلوماسية في اللجنة الخماسية تتفهَّم الحسابات اللبنانية في تحديد مواعيد لحصر السلاح أو احتوائه شمال نهر الليطاني، في ضوء السلوك غير السوي والعدواني لاسرائيل سواءٌ في لبنان أو غزة، وتوقيع الإتفاقيات وعدم الإلتزام بها..
لبنان عند نقطة تحوُّل تحاكي الإنقلابات في إعادة تكوين عوالم على النمط الأميركي، تمتد من سور الصين العظيم إلى أرض الحضارات - في بابل وبلاد النيل، مروراً بالجزيرة القطبية المملوكة من الدانمارك «غرينلاند» في بلاط أوروبا المنخفضة!