بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 شباط 2026 12:10ص بين حبّ الناس وقسوة المرحلة... سعد الحريري في امتحان العودة

حجم الخط
د. محمد دوغان

في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، لم تكن كلمة الرئيس سعد الحريري مجرّد استعادة وجدانية لمحطة وطنية مفصلية، بل بدت أقرب إلى خطاب سياسي متعدد الطبقات، تختلط فيه رسائل الداخل بإشارات الإقليم، ويتقاطع فيه الشخصي بالعام، في لحظة لبنانية شديدة التعقيد.
بدا الحريري في إطلالته واقفاً عند نقطة وسطى بين الغياب والحضور. لم يُعلن عودة سياسية صريحة، لكنه في المقابل لم يتحدث بلسان المنسحب. تعمّد استخدام مفردات الاستمرارية والوفاء للمسيرة، في صياغة تحمل وظيفة تعبئة معنوية أكثر مما تحمل إعلاناً تنظيمياً. كان واضحاً أن المخاطَب الأول هو جمهوره، وأن الهدف المباشر هو إعادة شدّ العصب داخل البيئة التي طالما شكّلت ركيزة حضوره عبر تيار المستقبل، من دون الذهاب إلى خطوات تنفيذية تفرض التزامات مبكرة.
نبرة الخطاب عكست حجم الضغط الذي يعيشه الرجل. فهو من جهة يحمل إرث اغتيال مؤسِّس، لا مجرد زعامة سياسية عادية، ما يضعه دائماً تحت وطأة المقارنة مع تجربة والده بما تختزنه من رمزية داخلية وعربية. ومن جهة ثانية، يواجه واقعاً لبنانياً منهاراً سياسياً ومالياً ومؤسساتياً، حيث تراجعت أدوار وتبدّلت توازنات، ولم تعد أدوات التأثير نفسها متاحة كما في مراحل سابقة. يضاف إلى ذلك ثقل التسويات الماضية وما خلّفته من انتقادات داخل بيئته، الأمر الذي يفرض عليه خطاباً محسوباً بدقة، يوازن بين التبرير الضمني وتجنّب فتح السجالات.
ورغم طول الغياب، أظهر مشهد الذكرى أن الحريري ما زال يمتلك رصيداً عاطفياً واسعاً لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، ولا سيما داخل الشارع السُّني. هذا الحب لم يتآكل بالقدر الذي توقّعه خصومه، بل بدا قائماً على مزيج من الوفاء لرفيق الحريري، والتمسّك بخيار الاعتدال، والإحساس بأن الرجل تعرّض لخذلان سياسي في محطات مفصلية. لذلك جاء خطابه حذراً من استنزاف هذا الرصيد، فلا وعود كبرى لا يملك ضماناتها، ولا اندفاعات شعبوية قد ترتدّ عليه لاحقاً.
إقليمياً، حملت الكلمة رسائل هادئة النبرة. لم تتضمن تموضعاً حادّاً، بل إشارات انفتاح على العمق العربي وحرصاً على أفضل العلاقات، في مقاربة يمكن قراءتها كمسعى لإبقاء خطوط التواصل قائمة مع العواصم المؤثرة في الملف اللبناني. بدا واضحاً أن أي عودة سياسية محتملة يراها الحريري مرتبطة، جزئياً على الأقل، بمناخ إقليمي لم تكتمل ملامحه بعد، وبحاجة إلى حد أدنى من المظلّة العربية الداعمة.
ما يمكن استخلاصه أن الحريري لم يطرح مشروع عودة، بل أعلن جهوزية نفسية وسياسية لها. والفرق جوهري بين الحالتين. فهو يختبر نبض الشارع، ويراقب توازنات الداخل، وينتظر نضوج الظروف الخارجية، من دون أن يحرق المراحل أو يلتزم مواعيد. إنها استراتيجية حضور محسوب، لا غياب كامل ولا اندفاع كامل.
هكذا بدت الكلمة: محاولة لإعادة تثبيت الموقع في الوعي الشعبي، وإرسال إشارات طمأنة إلى الخارج، وتأكيد أن الرجل، رغم كل الضغوط، ما زال لاعباً محتملاً في المعادلة اللبنانية. يمتلك محبة الناس، ويحمل إرثاً ثقيلاً، ويواجه زمناً إقليمياً مختلفاً، ويعرف أن لحظة العودة - إن أتت - لن يصنعها الخطاب وحده، بل تقاطع اللحظة الداخلية مع الضوء الأخضر الخارجي.