سنتان على عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها «حركة حماس» في غلاف غزة ما استدعى «ردّا إسرائيليا» تجاوز الانتقام الى حدود التصفيات الجماعية وارتكاب أبشع المجازر بحق الغزيين، نساء وشيوخا وأطفالا، ولم تفرّق آلة حرب الكيان بين إعلامي وطبيب، بعد مرحلة أخذ وردّ بدأ العد العكسي لانقشاع الغيمة السوداء إذا صحّ التعبير عن سماء غزة إلّا ان ذلك لا يعني بحسب المطّلعين نهاية الحرب، ولا سيما ان مشروع «نتنياهو» لم ينتبه بعد وحتى الأجندة العسكرية لم تكمل مفاعيل أهدافها باجتثاث «حماس» وإبعادها الى ما وراء المحيطات.
صحيح «حركة حماس» وبعد تشاور فلسطيني بين فصائل المقاومة أعلنت موقفها من مبادرة الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» لوقف الحرب إلّا ان ذلك لا يعني تصفير المدافع في المنطقة إذ ان المشهد لا زال يرتبط بتداعيات إقليمية وهو أمام مفترق تتمازج من خلاله حسابات السياسة والعسكر مع تطورات المنطقة والتوازنات الداخلية للدول المعنية بالحرب وفي مقدمها لبنان، على خلفية مشاركة «حزب الله» بحرب الإسناد التي أعلنها الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله في الثامن من أكتوبر عام 2023، دعما للشعب والمقاومة الفلسطينية.
تقول المصادر المواكبة: «ان حلقة النار التي توّجتها إسرائيل بأكبر عدوان على لبنان في الثالث والعشرين من أيلول عام 2024 أو ما سُمّي بحرب الستين يوما والتي أدّت الى استشهاد الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله وقيادات عسكرية أساسية لم تكتمل فصولها بعد، تبعا للأهداف التي أعلنتها حكومة «تل أبيب» وتبنّتها الإدارة الأميركية بالمطلق وهو نزع سلاح «حزب الله» وتقويض مصادر قوته المالية والعسكرية وحتى الاجتماعية منها، وهنا إشارة الى المؤسسات التي يديرها الحزب من تربوية ومالية وصحية وغير ذلك».
تتابع المصادر: «رغم تلاقي الحزب والحركة حول صفقة نتنياهو يبقى السياق الإقليمي الأوسع يشير الى انعكاسات مباشرة قد تطال لبنان، سواء عبر احتمال التهدئة الذي يقول البعض إنها ستكون شاملة على مستوى المنطقة، بعد سنتين من الحروب المتنقلة، أو عبر تصعيدٍ جديد يضعه مجدّدا في قلب العاصفة، في ظل تخوّف الكثيرين من أن يكون رئيس حكومة الاحتلال «بنيامين نتنياهو» في صدد إطلاق الحرب على لبنان من جديد وهذه المرة بأهداف وأساليب نارية مختلفة بصدد دفع الحزب للانصياع باتجاه المشروع المعلن من جهة، والضغط على حكومة لبنان من جهة ثانية».
من هنا تستدلّ بعض الأوساط الى احتمالية استكمال الحرب على لبنان كونها لم تتوقف بالمعنى الفعلي نتيجة الخروقات، من خلال قراءة بيان الحزب الذي دعا الدول العربية والإسلامية إلى دعم الشعب الفلسطيني ومنع تهجيره وإعادة إعمار القطاع، في رسالة مزدوجة الاتجاه؛ «الأولى سياسية موجهة إلى حلفائه في المحور، والثانية إلى المجتمع الدولي بأن الموقف من غزة ليس مجرد تضامن عاطفي بل التزام استراتيجي فالمعادلة التي حاول «حزب الله» تكريسها خلال الأشهر الماضية تقوم على ترابط الجبهات، وعلى أن أي تسوية في غزة لا يمكن أن تمرّ من دون مراعاة ميزان القوى الذي فرضه محور المقاومة انطلاقا من لبنان».
لذلك ان أكثر الساحات تأثّرا بالتطور الفلسطيني هو لبنان وفق تقديرات تقول بان ذلك لا يعني بالضرورة استقرار الجنوب المترنح على وقع ضربات هنا، واغتيالات هناك قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة تحمل في طياتها التهديد الإسرائيلي المباشر وترى بعض الأوساط اللبنانية أن وقف الحرب في غزة قد يترجم بتشديد الضغط على حزب الله عسكريا، وحتى داخليا لدفعه إلى تنازلات تدريجية، تحت عنوان تثبيت الاستقرار وإعادة الاعتبار لسلطة الدولة وبسط سيادتها رغم ان ما يعيق ذلك هو بقاء الاحتلال في نقاط حدودية واستمرار اعتداءاته، وهذا ما تطرق إليه بيان «قائد الجيش رودلف هيكل خلال عرضه للخطة العسكرية أمام مجلس الوزراء مؤخرا»، وهذا ما يعزز تخوّف المراقبين من أن رئيس حكومة الاحتلال قد يعمد إلى تصدير أزمته مجدّدا نحو لبنان، عبر توسيع نطاق الاستهدافات، أو خلق ذريعة أمنية جديدة لإعادة إشعال الجبهة الجنوبية ويستند هذا التخوّف إلى مؤشرات التصعيد الإعلامي الإسرائيلي في الأيام الأخيرة، وتسريبات عن استعدادات عسكرية على الحدود الفلسطينية مع لبنان، وهذا ما يعزز قراءة المطّلعين بان «صفقة غزة ستعيد لبنان الى قلب العاصفة من جديد» وربما ما حصل من أكبر هجوم جوي على منشآت اقتصادية في منطقة المصيلح دليل على بدء الاستطلاع بالنار للداخل اللبناني ما استدعى استنفارا سياسيا عبّر عنه الرؤساء الثلاثة محذّرين من فشل مشروع نتنياهو في غزة لا يمكن تحقيقه في لبنان.