بيروت - لبنان

اخر الأخبار

7 تشرين الثاني 2025 12:10ص بين 17 أيار وضغوط الحاضر.. هل يعيد لبنان تجربة التفاوض من جديد؟! (٢/٢)

حجم الخط
في لحظة إقليمية تتسم بالغليان، وبين ضغوط أميركية متزايدة وتحديات داخلية متفاقمة، يعود الحديث عن التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، مثيرًا في الذاكرة الوطنية شبح اتفاق 17 أيار 1983، الذي سقط تحت وطأة الرفض الداخلي والتقاطعات الإقليمية. فهل نحن أمام نسخة جديدة من ذلك الاتفاق؟ أم أن لبنان اليوم أكثر استعدادًا لخوض تفاوض يحفظ سيادته ويصون مصالحه؟
تأتي الضغوط الأميركية الحالية على لبنان ضمن مقاربة أوسع لإدارة التوازنات في المشرق. فواشنطن، التي تخوض صراعًا طويل الأمد مع إيران وحلفائها، ترى في الساحة اللبنانية أحد خطوط الاشتباك غير المباشر، حيث يشكّل «حزب الله» حجر الزاوية في منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة. ومن هذا المنطلق، بات لبنان بالنسبة للإدارة الأميركية مساحة اختبار لإمكانية تحييد هذا النفوذ، عبر مسارين متوازيين: سياسي-اقتصادي وأمني-دبلوماسي.

• واشنطن تعود بأدوات مختلفة

الولايات المتحدة، التي لعبت دور الوسيط في اتفاق 17 أيار، تعود اليوم بمقاربة أكثر مرونة، لكنها لا تقل ضغطًا. فبدلًا من فرض اتفاق شامل، تعتمد واشنطن سياسة التدرج؛ تبدأ بترسيم الحدود البحرية، ثم تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية واقتصادية، قد تفضي إلى تطبيع غير مباشر.
الضغط الأميركي يتخذ أشكالًا متعددة؛ دعم مشروط للجيش اللبناني، مساعدات مالية مرتبطة بالإصلاحات، رسائل دبلوماسية بلهجة غير دبلوماسية، هي في الواقع تهديدات فعلياً للبنان من خلال اتهام الحكومة بعدم اتخاذ اجراءات فعلية لحصر السلاح بيد الدولة، مع الترويج لفكرة أن التفاوض هو السبيل الوحيد لتجنّب الحرب الإسرائيلية.

• من الترسيم إلى التطبيع

اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، الذي أُنجز في تشرين الأول 2022، وُصف بأنه تقني، لكنه حمل في طياته إشارات سياسية غير مباشرة. فبين الاعتراف الضمني بالحدود، والتنسيق غير المعلن، تلوح في الأفق احتمالات توسّع هذا المسار نحو ترتيبات أوسع، قد تشمل تعاونًا اقتصاديًا أو أمنيًا.
ورغم أن الاتفاق لم يتضمن أي بند تطبيعي، إلا أن بعض التصريحات الأميركية والإسرائيلية توحي بإمكانية البناء عليه لتوسيع التعاون، ما يستدعي يقظة وطنية ومراقبة دقيقة لأي تطور في هذا الاتجاه.

• انقسام القرار وتعدد المرجعيات

في هذا الوقت يواجه لبنان تحديات مشابهة لتلك التي أحاطت باتفاق 1983:
-انقسام سياسي حاد بين مؤيد ومعارض لأي تفاوض مع إسرائيل.
-ضعف مؤسسات الدولة في ظل أزمة مالية خانقة وانعدام الثقة الشعبية.
-نفوذ خارجي متشابك، حيث لم تعد سوريا اللاعب الأبرز، لكن إيران وحزب الله يشكلان عاملًا حاسمًا في أي قرار تفاوضي.
-ضغط أميركي متصاعد لتوجيه القرار اللبناني الرسمي نحو مفاوضات مباشرة.
-تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية من خلال الامعان في استهداف عناصر من حزب الله، معطوف بتهديدات ومناورات، توحي باقتراب شن تل أبيب لجولة جديدة من حربها على لبنان على نطاق أوسع وأشمل، بتهمة أن حزب الله يعيد بناء قدراته العسكرية.

• حزب الله بين الرفض والمناورة

حزب الله، أعلن مرارًا رفضه لأي تطبيع مع إسرائيل، لكنه لم يعارض اتفاق الترسيم علنًا. هذا الموقف يعكس توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على الثوابت.
لكن السؤال يبقى: هل يمكن لحزب الله أن يقبل بمسار تفاوضي جديد؟ وهل يملك لبنان القدرة على التفاوض دون موافقة ضمنية من الحزب؟

• موقف الدولة اللبنانية والرئاسة

في هذا المناخ، جاء تصريح رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ليُحدث صدى واسعًا، إذ قال بوضوح: «ليس أمام لبنان إلا خيار التفاوض، ففي السياسة ثلاث أدوات: الدبلوماسية والاقتصاد والحرب، وعندما تعجز الحرب عن تحقيق النتائج، لا بد من التفاوض، والتفاوض لا يكون مع صديق بل مع عدو».
بهذه العبارة، أعاد الرئيس عون فتح النقاش حول معنى التفاوض وموقعه في السياسة اللبنانية، راسمًا إطارًا عمليًا واقعيًا أكثر منه أيديولوجيًا. فالرجل الذي ينتمي إلى المؤسسة العسكرية يدرك أن الحرب لا تصنع حلولًا دائمة، وأن الدولة المأزومة بحاجة إلى أدوات سياسية تحفظ الحد الأدنى من التوازن. لكن في الوقت نفسه، حرص على وضع التفاوض في سياقه الطبيعي كأداة ضمن منظومة الخيارات الوطنية، لا كاستسلام أو تطبيع.
من هنا يمكن قراءة موقفه كمحاولة لاحتواء الضغط الأميركي من دون الانصياع الكامل له؛ تقديم خطاب عقلاني واقعي، يفتح الباب أمام الدبلوماسية اللبنانية للتحرك، ولكن من موقع المبادرة لا الاضطرار.

• حدود المناورة اللبنانية

قدرة لبنان على المناورة في وجه هذه الضغوط محدودة، لكنه لا يزال يملك أوراقًا مهمة، أبرزها موقعه الجغرافي ودوره في معادلة الأمن الإقليمي. فاستقرار الجنوب لا يعني فقط هدوء الحدود مع إسرائيل، بل يعني أيضًا استقرار شرق المتوسط بأسره، وهو ما يجعل لبنان لاعبًا لا يمكن تجاوزه.
كما أن وحدة الموقف الرسمي، خصوصًا بين رئاسة الرئاسات الثلاثة، وبينهم وبين قيادة الجيش اللبناني، تشكّل عنصر توازن أساسي، يمنع تحويل لبنان إلى ساحة تفاوض بالوكالة عن الآخرين. فالمؤسسة العسكرية، بما تملكه من احترام داخلي وخارجي، يمكن أن تؤدي دور الضامن لعدم انزلاق أي مسار تفاوضي إلى ما يتجاوز المصلحة الوطنية.
في المقابل، يعاني لبنان من انقسام سياسي حاد يجعل أي قرار وطني عرضة للعرقلة. فكل طرف يقرأ التفاوض من زاويته؛ البعض يراه تهديدًا للمقاومة، والبعض الآخر فرصة للخروج من العزلة الدولية. بين هذين الحدّين، تبرز الحاجة إلى استراتيجية تفاوضية لبنانية موحّدة، تُبنى على التفاهم الداخلي أولاً، لا على استرضاء الخارج.

• دروس من الماضي

اتفاق 17 أيار سقط لأنه افتقر إلى الشرعية الداخلية، واصطدم بتقاطعات إقليمية معقدة. واليوم، إذا أراد لبنان أن يخوض مسارًا تفاوضيًا جديدًا، عليه أن يستفيد من دروس الماضي.
لذلك، لا بد من التعاطي مع الموضوع بشفافية مطلقة ومناقشته داخل المؤسسات الدستورية، وتحصين القرار الوطني، عبر إشراك البرلمان، وتثبيت أي اتفاق ضمن الأطر الدستورية، لا عبر تفاهمات فوقية.
كما لا بد أيضاً من أن يحظى الموضوع باجماع وطني، إذ لا يمكن لأي تفاوض أن ينجح دون توافق داخلي، كي يتوفر له الغطاء السياسي. كذلك ينبغي التمييز بين التقني والسياسي؛ فترسيم الحدود لا يعني تطبيعًا، ويجب الحفاظ على هذا الفصل بوضوح.

• هل يعيد التاريخ نفسه؟

لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق. الضغوط تتصاعد، والمشهد الإقليمي يزداد تعقيدًا، والداخل اللبناني يعاني من انقسامات حادة. لكن الفرق بين النجاح والفشل يكمن في قدرة اللبنانيين على التعلم من الماضي، وتحصين القرار الوطني، وعدم ترك التفاوض ورقة بيد الخارج.
فإذا كان اتفاق 17 أيار قد سقط لأنه لم ينبع من إرادة وطنية، فإن أي مسار تفاوضي جديد يجب أن يُبنى على أساس هذه الإرادة، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه؛ ولكن بثمنٍ أكبر!