بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 تشرين الثاني 2025 12:10ص بين 17 أيار وضغوط الحاضر.. هل يُعيد لبنان تجربة التفاوض من جديد؟! (1/2)

حجم الخط
في تصريحٍ هو الأجرأ منذ تولّيه الرئاسة، قال العماد جوزاف عون إنّه «ليس أمام لبنان إلّا خيار التفاوض»، مشيراً إلى أنّ السياسة تقوم على ثلاث أدوات: الدبلوماسية والاقتصاد والحرب، وأنّه «حين تعجز الحرب عن تحقيق النتائج، لا بدّ من التفاوض، والتفاوض لا يكون مع صديق بل مع عدو». وأضاف أنّ «لغة التفاوض أهم من لغة الحرب التي رأينا ماذا فعلت بنا، وكذلك اللغة الديبلوماسية التي نعتمدها جميعاً».
كلام الرئيس عون لا يمرّ عابراً في لحظة يغلي فيها الإقليم، ويتكثّف فيها الضغط الأميركي على لبنان لدخول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. فهو يعيد إلى الذاكرة الوطنية تلك التجربة المريرة التي خاضها لبنان قبل أكثر من أربعة عقود، يوم وُقّع اتفاق 17 أيار 1983 بوساطة أميركية أيضاً، تحت عنوان إنهاء الحرب وضبط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.
لكنّ الاتفاق الذي بدا يومها مخرجاً سياسياً، سقط سريعاً تحت نيران الرفض الداخلي، وتقاطعات المصالح الإقليمية، وخصوصاً السورية منها، لتُطيح به انتفاضة 6 شباط، معلنةً نهاية مرحلة وبداية أخرى من الحرب والانقسام.
واليوم، إذ تعود لغة التفاوض إلى الواجهة مجدّداً، وتلوّح واشنطن بمسار جديد بين بيروت وتل أبيب، تبدو المقارنة مع اتفاق 17 أيار أكثر من ضرورية. فبين الأمس واليوم، ثمّة تشابه في الظروف وضغط الخارج وتفكّك الداخل، وثمّة دروس لم تُستخلص بعد.
من هنا، تأتي أهمية إعادة قراءة تلك التجربة، بنودها، ظروفها، أسباب سقوطها، وكيف تُعاد اليوم صياغة المشهد بوجهٍ جديد وأدوات مختلفة، من خلال مقاربة تحليلة من جزئين: الأول يتناول السياق التاريخي، والثاني يتناول الضغوط الأميركية لمعاودة التفاوض.

*****

في 17 أيار 1983، وقّع لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية ما عرف بـ اتفاق 17 أيار، الذي هدف إلى إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وضبط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وتمهيداً لتطبيع العلاقات تدريجياً تحت إشراف دولي. لكن هذا الاتفاق تم اسقاطه من خلال ما عرف بإنتفاضة ٦ شباط، حيث رفضت القوى المناوئة لعهد الرئيس أمين الجميل تنفيذه، فكُسِر وأجهض بفعل تلك الانتفاضة، التي ما لبثت أن تحوّلت الى هيمنة حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي على الشطر الغربي من العاصمة بدعم من النظام السوري، وبالتالي معاودة جولات عنيفة وجديدة من الحرب اللبنانية.
اليوم، بعد عقود، تعود الضغوط الأميركية لتفرض نفسها على لبنان مجدّداً، هذه المرة لدخول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. المشهد الراهن يشبه إلى حدّ ما ذلك الزمان:
من خلال الربط التاريخي بين التجربة الفاشلة في 1983 والضغوط الحالية، يمكن استخلاص دروس تساعد على كشف مخاطر المفاوضات المحتملة ومعايير نجاحها إن دخل لبنان هذا المسار. هذا ما سنجول فيه في هذا المقال: خلفية الاتفاق، بنوده، كيف وأسباب إسقاطه، ثم كيف يُعاد اليوم طرح مفاوضات جديدة من منظور أميركي وما هي التحديات التي تواجه لبنان إن تُرك وحيداً في تلك المواجهة؟

• السياق التاريخي قبل 17 أيار لبنان في مرمى القوى الكبرى

١) الحرب الأهلية اللبنانية وتدخّل إسرائيل:
لبنان في أواخر السبعينيات وثمانينيات القرن العشرين كان مسرحاً لصراعات داخلية طائفية بين المجموعات المسيحية، إضافة إلى ضعف مؤسسات الدولة. في عام 1982 شنّت إسرائيل إجتياحاً عسكرياً كبيراً في لبنان وصولاً الى محاصرة العاصمة لمدة ثلاثة اشهر قبل دخولها، عُرِفت بـ «عملية سلام لغاليل» (Operation Peace for Galilee)، بهدف ضرب الميليشيات الفلسطينية التي كانت تشنّ هجمات على الشمال الإسرائيلي. وبرزت هناك ضغوط دولية لإيجاد مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه للبنان والعالم.
٢) دور الولايات المتحدة والوساطة:
الولايات المتحدة تضخّم دورها كوسيط غير محايد بين الجانب اللبناني والإسرائيلي، عبر المبعوثين، والمساومات السياسية مع حلفاء لبنان (فرنسا، المملكة العربية السعودية، وغيرها). مفاوضات استمرت حوالي أربعة أشهر ونصف تقريباً قبل التوقيع بمجلس جلسات عدة عقدت في خَلده اللبنانية، كريات شمونة الإسرائيلية، ونتانيا، بضغط دبلوماسي أميركي.
الوساطة الأميركية تضمنت دبلوماسية مكثفة من واشنطن، ونقل رسائل بين الأطراف، وضغوط على الأطراف اللبنانية لقبول الصيغة التي تُقدّمها إسرائيل بشروط منسقة مع الأميركيين.
بهذه الخلفية، جرى التوقيع على الاتفاق في 17 أيار 1983، وسط ترقّب كبير في الساحة اللبنانية والعربية.
٣) بنود اتفاق 17 أيار:
فيما يلي أبرز البنود والنقاط التي تضمنها الاتفاق، مع بعض ملاحظات حول التوازنات السياسية بين ما نصّ عليه وبين ما كان ملموساً على الأرض:
أ. النصوص الأساسية للبنود:
من أهم البنود التي وردت في الاتفاق:
- إنهاء حالة الحرب: نصّ الاتفاق على أن «حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل قد انتهت»، وأن البلدين يتعهدان بعدم اللجوء إلى القوة لتسوية النزاعات.
- الاحترام المتبادل للسيادة والحدود، حيث يلتزم الطرفان باحترام السيادة، الاستقلال، وحدة الأراضي لدى كل منهما، وتعتبر الحدود الدولية القائمة غير قابلة للتعديل أو الاعتداء.
- انسحاب القوات الإسرائيلية، من خلال ما نصت عليه بعض الملاحق في الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وفق جدول زمني، مع التزام لبنان باتخاذ ترتيبات أمنية لضمان عدم عودة الاعتداءات أو نشاط فصائل مسلّحة على الحدود.
- المنطقة الأمنية/ الرّقابية في الجنوب، تضمن الإتفاق نصاً يوجب أن يُنشأ «منطقة أمنية» في جنوب لبنان، يُشرف عليها الجيش اللبناني تحت ترتيبات أمنية مشتركة مع إسرائيل (منع التسلل والمجموعات المسلحة).
- منع نشاط الميليشيات والفصائل المسلحة، إذ نص الاتفاق على أن يُلزم لبنان بمنع وجود أي تنظيم أو قاعدة أو نشاط قد يُستخدم ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وتعاون أمني لتبادل المعلومات، ضمانات بعدم الاعتداء أو التسلل.
- إمكانية إقامة مكاتب اتصال أو علاقات تدريجية، لم يجرِ الاتفاق الكامل على التطبيع، لكن نصّ على إمكانية فتح مكاتب اتصال، أو علاقات محدودة في نطاق ما يُتاح من التفاهم المتدرّج بين الدولتين.
ب. ملاحظات على التطبيق والفقرة السرية:
من الملحقات كان هناك جدول تفصيلي لعدد الأسلحة المسموح بها في المنطقة الأمنية، وأنواع المعدات. كما كان هناك بروتوكولات سرّية أو مذكرات داخلية لم تُنشر علناً، تتعلق بكيفية التنسيق الأمني، وضمانات تتصل بموقف سوريا والانسحاب السوري من لبنان. وبعض البنود صيغت بطريقة تُبقي هامشاً واسعاً للتفسير والتأويل، خصوصاً ما يتعلق بجدول الانسحاب، وتوقيت التنفيذ، والتزام الفصائل المسلحة بما يُفرض عليها من إجراءات.
الاتفاق كان يبدو في الورقة كخطة لإخراج لبنان من محنة الاحتلال، لكن الملاحق غير المعلنة كانت أقرب الى اتفاق سلم وتطبيع بين لبنان واسرائيل، وإن بشكل مبطن.

• أولى بواعث السقوط

الاعتراضات بدأت فور توقيع الاتفاق، والواقع على الأرض عمِل ضدّه من أول أيامه. فيما يلي أبرز الأسباب التي حالت دون تنفيذ الاتفاق:
- رفض داخلي واسع، حيث أن القوى السياسية اللبنانية، خصوصاً التي كانت تُصنّف في المعارضة، من قوى وطنية وإسلامية، رأَت في الاتفاق تسليماً للسيادة وتعاوناً مع عدو تقليدي، وهو خط أحمر في العقلية الوطنية والعربية. وتلك القوى لم تقبل أن يُكمِل الجيش اللبناني أو الدولة وحدها ملف الجنوب بدون دور للمقاومة. كما أن الشارع اللبناني في أجزاء واسعة من البلاد رأى أن الاتفاق فرض من الخارج وليس نتاج إرادة وطنية مشتركة، مما عزّز العداء له.

• دور سوريا ورفض الانسحاب السوري

ربما كان العامل الحاسم في إسقاط الاتفاق هو موقف سوريا. سوريا رفضت أن تكون خارج العملية، ورفضت أن يتم التوقيع أو التطبيق من دون تنسيق معها، ورفضت الانسحاب، رغم أن الاتفاق كان مشروطاً بالتزام الأطراف، ومنها سوريا، بإعادة ترتيب وضعها في لبنان. فعندما لم تنسحب القوات السورية من لبنان، ولم تتخلّ سوريا عن نفوذها في المشهد اللبناني، فقد توقّفت المفاوضات الفعلية للانسحاب الإسرائيلي، لأن الاتفاق ربط بعض خطواته بانسحاب أو تراجع النفوذ السوري.

• ضعف الدولة اللبنانية والمؤسسات

الجيش اللبناني آنذاك كان ضعيف البنية، منقسِماً، ولا يملك القدرة على السيطرة الكاملة على الجنوب أو فرض نفوذه على الميليشيات المسلحة. فيما الحكومة المركزية لم تكن تملك آلية تنفيذ قوية، وكانت محصورة بين التبعية لبعض القوى السياسية والمجالس المحلية المدجّجة بالسلاح، وذلك في ظل الحرب الأهلية، البيئة الأمنية كانت مشحونة، وعمليات التسلل والاشتباكات كانت قائمة حتى أثناء توقيع الاتفاق.

• الأخطاء في التصميم والضغوط الزمنية

أحد الانتقادات للاتفاق أنه صيغ بسرعة كبيرة، تحت ضغط الوساطة الأميركية والإسرائيليين، دون تمهيد داخلي كافٍ أو نقاش شعبي وسياسي موسّع، خصوصاً أن بعض البنود كانت غامضة أو قابلة للتأويل، ما أتاح للخلافات تفسيرها بشكل مختلف من الأطراف. كذلك الالتزام الزمني للانسحاب لم يُحترم من إسرائيل، ولا سيما أن التدرّج في الانسحاب تأخّر بسبب معوقات أمنية وسياقات عملياتية.

• كيف أُسقط الاتفاق؟

إسقاط الاتفاق لم يكن بقرار واحد، بل بسلسلة من الأحداث والتفاعلات، بعضها سياسي، بعضها عسكري، وبعضها دستوري. وكان من أبرزها:
- معارضة القوى الداخلية مبكراً، فبمجرد توقيعه، دخل الاتفاق في دائرة رفض علني وتصريحات قوية من الأحزاب الإسلامية والمجموعات المسلحة التي اعتبرته خيانة سياسيّة.
- انهيار حكم الجميّل تحت الضغوط، عبر مواجهته ضغوطاً داخل البرلمان والمناطق، وبرزت اشتباكات في بيروت الغربية ضد الجيش، ما زعزع قدرتها على فرض التنفيذ. وفي 6 شباط 1984، واجه عهد الجميل انهياراً سياسياً، جراء انتفاضة حملت اسم ذلك التاريخ، وانقسام الجيش اللبناني.
- الإعلان عن إلغاء العمل بالاتفاق - 5 آذار 1984، حيث أعلنت الحكومة اللبنانية في 5 آذار 1984 أنها لم تعد تعتبر الاتفاق نافذاً، وأنها تعيد النظر في التزامها به، في خطوة رسمية تمثّل بداية الإلغاء الفعلي. أعقب ذلك إلغاء برلماني وتشريعات لاحقة، حيث أن البرلمان اللبناني، بقيادة رئيس المجلس حسين الحسيني، ألغى الاتفاق تشريعياً، وألغي العمل به قانونياً عبر إجراءات داخل المؤسسات اللبنانية.
- بعد إلغاء الاتفاق، وسّعت سوريا تدخّلها، واستعادت نفوذها المتصاعد في لبنان، وبدأت ترتيبات للتحكّم بالأحداث السياسية والأمنية.
- عودة الصراع على الأرض واستمرار الاشتباكات الحدودية، فمع سقوط الاتفاق، استأنفت الاشتباكات على الحدود مع إسرائيل، وواكبتها مقاومة متزايدة من الفصائل، وهو ما جعل فكرة تنفيذ أي اتفاق سلام أبعد من أن تُطرح فعلياً.

*****

هكذا، سقط اتفاق 17 أيار تحت ثقل تناقضاته الداخلية وتقاطعات المصالح الخارجية، بين دولةٍ مفككة ومجتمعٍ منقسم ووصاياتٍ متنازعة على القرار اللبناني. لم يكن سقوطه مجرّد حدث سياسي، بل محطة مفصلية كشفت عجز لبنان عن إنتاج تسوية وطنية مستقلة، وأثبتت أن أي تفاوضٍ لا يستند إلى وحدة الداخل، سرعان ما يتحوّل إلى ورقةٍ بيد الخارج.
ومن رحم تلك التجربة المرّة، ووسط ذاكرةٍ لم تندمل بعد، تعود اليوم لغة التفاوض إلى الواجهة مجدّداً... لكن بوجوهٍ جديدة وضغوطٍ أشدّ، ما يجعل من قراءة الماضي مفتاحاً لفهم ما يُراد للبنان في الحاضر.

- يتبع: الضغوط الأميركية ومسار المفاوضات الجديدة