العيش في البرزخ من أصعب أنواع الحياة، الأعصاب مشدودة ومتوترة، التحديق في الوضع، هو سيد الموقف، والتساؤل اليومي، لا يترك مجالا للتفكير بالإنتاج والتطوير. ينصرف الهمّ كله، إلى مسألة تقطيع الوقت، شهرا بشهر، وأسبوعا بأسبوع ويوما بيوم. وأصعب من ذلك عدّ الساعات، وإحتساب الدقائق والثواني، بإنتظار المفاجأة. وهي كثيرا ما تأتي من المجهول، أو من جهة الشرق، إذا كان النظر يترقّب ويترصّد جهة الغرب.
لا شك عزيزي القارئ، أنك تعرف عما أتحدث، لأنك أنت المقصود بالحديث، وأن اللبنانيين جميعا معنيون به، وأن لبنان، هو السفينة التي تشبه إلى حد بعيد سفينة نوح، بما فيها وبمن فيها، وهي تجتاز المحيطات الهادرة، إلى البرزخ، حيث الإستراحة فيه، أصعب من معاناة الأمواج المتلاطمة، وحيث الكون كله ينظر «الما يحدث»، لأن البرزخ لا يحتمل السفينة إلّا لوقت قصير، فأيامه محسوبة، بالساعات والدقائق والثواني. ولهذا، يجعل من يقطعه، يعيش على أعصابه طوال الوقت.
مع خطاب فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، فتح البرزخ بوابته للسفينة اللبنانية، فصارت حكما تحت الأنظار، يحدّق بها العالم أجمع، إلى أين تتجه، وأين سترسو بعد إجتياز هذا المضيق.
ولا شك أن العيش في البرزخ، يمنع التواصل مع العالم، ويصير الجفاف يضرب الخزينة، ويضرب مع ذلك البلد الذي لا يستطيع العيش طويلا في التقنين الاقتصادي، ولا في وقف الحركة السياسية والإجتماعية، ولا في الغياب طويلا، في العالم المجهول. فليس أصعب على المرء من الشعور الدائم، بأنه تحت الأنظار، وتحت مجهر المراقبة.
هذا هو واقع الحال في لبنان. يعيش تحت أبصار العالم في البرزخ الذي يمتد حتى نهاية العام. وربما أخذ فخامته، وعدا من القوى المراقبة، أن تمدد هذه الفترة لأسابيع وربما لأشهر. ولا يعقل والحال هذه، أن يظل يمنّي النفس، بأنه بعيد عن الأيدي التي تحيق بعنقه. وقد طلب منه الأمرين الأخطرين: تجفيف السلاح، والقيام بالإصلاح. ولا يبدو حتى اليوم، أنه قادر على الحراك في هذا الإتجاه، فهو مكبّل في الداخل بقوى الفساد، وبذرائع العصبيات، وبأذرع الطائفية، وهي أذرع قوية ومانعة ومجرّبة في صنع الأزمات ووضع العراقيل أمام نهوض البلاد.
التهديدات متواصلة عليه، والرسائل الدموية لا تتوقف، وليس هناك من قوة توقفها عند حدّها. ومهما طال الوقت في الإنتظار، ومهما إستطاب لبنان العيش في البرزخ، فلا بد أنه سوف يكون فجأة إمام المفاجأة: المطالبة فورا بالإصلاح وحصر السلاح.
فكم من الوقت سوف يمضي اللبنانيون في البرزخ؟ كم من الوقت سوف يحتاج لبنان ليفهم أن الأنظار مسلّطة عليه، ولا بد من أنه تحت المساءلة والمصارحة والمحاسبة؟
يخشى اللبنانيون اليوم، أكثر من الماضي، على ما تبقّى لهم، من كرامة. فهل يسارع الغيارى لحفظ كرامة أبنائهم في الزمن الصعب، ويسرعون في خطط الإصلاح وجمع السلاح؟
لبنان تحت الأنظار هذه الأيام. وكلما مضى يوم تقدمت به الأحزان. وأخشى ما نخشاه، أن نتعمّد العيش في بيت الشاعر نزار قباني:
أنا قبيلة (أحزان) بأكملها/ ومن دموعي سقيت البحر والسحبا.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية