وفق معلومات خاصة، أكد رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية المهندس سجيع عطية «ان الترسيم مع سوريا أصبح قريب جداً نظراً لإعلان النظام الجديد ذلك وان الاستثمارات في سوريا سريعة والمجتمع الدولي يريد الإسراع بذلك وخاصة بوجود مخزون نفطي كبير في الساحل الشرقي للمتوسط»، وأضاف ان «المعوقات هي آلية الترسيم وعدم ترسيم الحدود البرية لان لها علاقة مباشرة بذلك، وان الترسيم مع قبرص سينعكس على الترسيم مع سوريا لان هناك نقاط مشتركة بين الدول الثلاث ولبنان وسوريا بحاجة للترسيم البري قبل البحري».
وعليه بناء على تأكيدات النائب عطية هل من المتوقع أن نشهد زيارات متبادلة بغية تأليف لجنة سورية - لبنانية مشتركة بشأن الترسيم، خاصة ان هذا الملف لم يبحث في الزيارات السابقة الى بيروت؟!
أبرز التحديات التي تعيق هذه الخطوة، لا زالت قبضة طهران موجودة في الملف اللبناني عبر وكلائها الموجودين بقوة في السلطة اللبنانية، وإن تراخت نسبياً بفعل المتغيّرات الجيوسياسية في المنطقة وستحاول العرقلة في الملف السوري، إلّا ان المؤشرات تفيد بأن لبنان بدأ يتحرر من هذه القبضة الصارمة، ويمكن النظر الى تكليف السفير سيمون كرم برئاسة الوفد اللبناني في لجنة الميكانيزم على هذا الأساس خاصة انها أتت مباشرة بعد زيارة الوزير السابق علي حسن خليل المحسوب على الرئيس نبيه بري الى طهران، أيضاً يمكن أخذ الموقف التركي المعترض على الترسيم اللبناني - القبرصي بعين الاعتبار، التحدّي الآخر يمكن عنونته بين «عقبات التاريخ وضرورات الواقع» وهو ان لبنان منذ العام 1923 لم يرسم الحدود لعدم وجود خرائط تاريخية واقعية واضحة ومثبتة أو ترسيم سابق عبر الأمم المتحدة، ومرسوم 1920 ذو طابع وصفي جغرافي وليس تحديداً طبوغرافياً ومساحياً، وكذا التداخل الجغرافي والديموغرافي، لذلك هناك ورشة حالية في الخارجية اللبنانية لتأمين الأصول القانونية والوثائق والمستندات وحُكي مؤخراً عن خرائط بريطانية وفرنسية سلّمت الى لبنان بهذا الخصوص، وأيضاً تم الحديث عن وساطة فرنسية، وبالمجمل يحظى الملف اللبناني - السوري برعاية سعودية واضحة، في إطار رؤية 2030 السعودية للشرق الأوسط حيث أعلنت سوريا انسجامها مع هذا التوجه فيما لا يزال لبنان يحاول شق طريقه بصعوبة من شرنقة الدور الإيراني.
وعن الآلية الأكثر إنصافاً لحل مسألة المنطقة المتداخلة بحرياً والتي تقدر ما بين 750 و1000 كم؟
سبق وطرحت سوريا مزايدة دولية للتنقيب والاستثمار قبالة السواحل السورية في المنطقة الاقتصادية الخالصة «البلوك 1 الجنوبي، البلوك 2 الأوسط، البلوك 3 الشمالي» وهو ما اعتبره لبنان تجاوزاً على حدوده البحرية، وأصدرت الحكومة اللبنانية العام 2011 المرسوم 6433 الذي عيّن احداثيات الحدود البحرية الجنوبية مع فلسطين والشمالية مع سوريا والغربية مع قبرص وأودعتها لدى الأمم المتحدة، سوريا من جانبها رفضت وأودعت بدورها اعتراضاً لدى الأمم المتحدة العام 2014.
تستند المنهجية السورية على تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة الى مبدأ خطوط العرض، بحيث يبدأ الترسيم من نقطة الحدود السورية - اللبنانية البرية عند منتصف مصب النهر الكبير الجنوبي ممتداً بشكل موازٍ لخط العرض الى النقطة «5» وهي النقطة الثلاثية المفترضة بين سوريا ولبنان وقبرص مع تحديدها بناء على أقرب النقاط على سوحل الدول الثلاث.
أما المنهجية اللبنانية فتعتمد مبدأ الخط الوسطي وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 حيث يبدأ الترسيم من منتصف مصب النهر الكبير ويمتد نحو النقطة «7» وهي النقطة التي اعتمدها لبنان كأساس لتحديد منطقته الاقتصادية الخالصة الموزعة على 10 بلوكات ويقع البلوكان الشماليان 1 و2 بمحاذاة المنطقة البحرية السورية ونتيجة اعتماد نقطتين مختلفتين، ظهر تداخل واضح بين البلوك السوري رقم «1» والبلوكين اللبنانيين 1 و2 ضمن مساحة تقدّر من 750 الى 1000 كيلومتر مربع.
تحتاج التسوية الى اعتماد نقطة وسط بين النقطتين المتنازع عليهما كالنقطة «6» على غرار ما حدث في «خط هوف» بين إسرائيل ولبنان، والمشاركة في أنشطة مرنة قبل حلّ مشكلة التداخل وصولاً الى إمكانية التعاون الاستثماري للثروات المشتركة بدل الانزلاق الى النزاعات.
وزارة الطاقة السورية وقّعت اتفاقيات عدة تتجه فيها لتحويل البلاد الى مركز إقليمي للطاقة في المستقبل القريب، السؤال: كيف يمكن أن يستفيد لبنان إذا نجحت سوريا في أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة؟ وهل سيكون ذلك عنصر جذب للمشاركة أو إنعاش للبنان عبر شراكات كبرى؟
الحديث قائم في لبنان بشكل دائم عن مساهمة بيروت في إعادة إعمار سوريا، وهناك تفاؤل كبير بالعهد الجديد في دمشق وقرار جعل سوريا مركز إقليمي للطاقة هو قرار سياسي إقليمي ودولي كبير يعني ضمانة التوجه نحو استقرار إقليمي عام بما تتطلبه شروط الاستثمار، وبالتأكيد الإفادة ستكون متبادلة بين البلدين بتعزيز فرص الاستثمار والتجارة بما يعزز اقتصاد البلدين وتوفير الطاقة الى لبنان الذي يعاني أزمة كهرباء مزمنة.
وفي ظل التغيّرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ما الضمانات المطلوبة لإطلاق استثمارات مشتركة في الطاقة بين سوريا ولبنان سواء كانت متعلقة بالغاز البحري أو بتصدير الكهرباء؟ ومع تحسّن العلاقة لسياسية والدبلوماسية بين البلدين هل يمكن ان يشكّل ملف الطاقة خطوة لإعادة الثقة والتقارب بناء على المصالح المشتركة للبلدين؟
دائما تكون الاستفاضة بالحديث التقني فيما الأهمية القصوى هي للإرادة السياسية وبالتالي الترسيم هو قرار سياسي يحيل التفاصيل الى أدوات ممكنة لإلتقاط الفرص البديلة وعلى ما يبدو شعار المرحلة في سوريا ولبنان الى حد ما هو السياسة في خدمة الاقتصاد ضمن معادلة رابح ورابح والتنمية عنوان الأمن والاستقرار على عكس المرحلة السابقة عهد الأسدين في كلا البلدين، ويأتي ذلك في إطار مشروع السلام والازدهار بالقوة الصلبة أو الناعمة حيث لا خيار آخر أمام المنطقة الذي تسير إليه بقوة وسوريا ولبنان في قلب هذا التحوّل الكبير.
* كاتب صحفي ومحلل سياسي