بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 كانون الثاني 2025 12:10ص تركيا: الدَّور الأطلسيّ والحيثيّة العثمانيّة

حجم الخط
د. محمّد نور الدّين*

لعلّ تاريخ 28 كانون الثاني/ يناير 1920 يُشكِّل مُنطلقاً مُناسباً لمُقارَبةٍ وقراءةٍ موضوعيّتَيْن لمكانةِ تركيا ودَورِها في منطقة الشرق الأوسط على امتداد العقود اللّاحقة، وصولاً إلى تطوّراتِ عمليّة «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 وما تلاها من أحداثٍ كبيرة وخطيرة عَصفتْ بالمنطقة إلى نهاية العام 2024.
في ذلك التاريخ كان برلمان «مجلس المبعوثان» العثمانيّ لا يزال قائماً، على الرّغم من سقوط الدولة العثمانيّة الرسمي مع هِدنة مودروس في 30 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1918.
أقرَّ البرلمانُ العثمانيّ ما سُمّي بخريطة «الميثاق الملّي» بغالبيّة نوّاب البرلمان. وكان أحد أبرز واضِعي هذه الخريطة الضابط العثماني مصطفى كمال الذي كان مُكلّفاً بمهامّ التفتيش الخاصّة بالجيش التركي في شرق البلاد، ليبدأ في العام 1919 ما سُمّي «حرب التحرير الوطنيّة» ضدّ البريطانيّين والفرنسيّين، وليتحوّل لاحقاً إلى مقاومة السلطان العثماني في إسطنبول وصولاً إلى إسقاطه في نهاية العام 1922.
الخريطة التي أقرّها النوّاب تُشكِّل الحدودَ الجديدة لما تبقّى من أراضٍ تابعة للسلطة العثمانيّة. وتَشمل تقريباً الحدودَ اللّاحقة لِما بات يُسمّى بـ «الجمهوريّة التركيّة»، مُضافاً إليها كامل شمال سوريا، بما فيها حلب وخطّ مجرى نهر الفرات وصولاً إلى دير الزور، ومن ثمّ صعوداً إلى العراق ليشملَ كلّ المحافظات الكرديّة، كما الموصل، وصولاً إلى الحدود الإيرانيّة، وكان معظمها يشمله حينها ما يُسمّى بـ «ولاية الموصل»؛ أي أنّ الميثاق الملّي كان يَشمل كلّاً من الشمالَيْن السوري والعراقي علاوة على بعض الأراضي في القوقاز شرقاً، وجُزر بحر إيجه قبالة اليونان غرباً.
من هنا تَبدأ قصّة الدَّور التركيّ الذي ظَهر بعد مئة عام تقريباً، والذي كان يَدفع برئيس تركيا في العام 2017 رجب طيّب أردوغان ليقول: «إنّ الذين يسألون عمّا يفعل الجيش التركي في شمال العراق وسوريا (لتعقُّب مقاتلي حزب العمّال الكردستاني) لا يفهمون معنى وجود الميثاق الملّي».

الحياد الإيجابيّ

رُسِمت حدود تركيا على مراحل أعوام 1921 (اتّفاقيّة أنقرة مع فرنسا حول سوريا، واتّفاقيّات قارص وموسكو مع جمهوريّات القوقاز السوفياتيّة) و1922 (مع اليونان) و1926 (اتّفاقيّة أنقرة مع بريطانيا لضمّ الموصل إلى العراق) و1939 (ضمّ لواء الإسكندرون بالتواطؤ مع فرنسا).
اتَّسمت السياسة الخارجيّة في عهد الجمهوريّة التي تأسّست في 29 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1923 بُعيد اتّفاقيّة لوزان الشهيرة (24 تمّوز/ يوليو 1923) وبقيادة مصطفى كمال (لاحقاً أتاتورك) بما يُمكن اعتباره «حياداً إيجابيّاً». أَبرم أتاتورك علاقة وثيقة مع مختلف القوى الخارجيّة بمعزلٍ عن توجّهاتها السياسيّة؛ من ذلك على سبيل المثال الاتّحاد السوفياتي في عهد لينين وستالين، والولايات المتّحدة التي أقام معها علاقاتٍ ديبلوماسيّة للمرّة الأولى في العام 1927، فضلاً عن بريطانيا وفرنسا الأكثر نفوذاً في المنطقة بعد احتلالهما إيّاها خلال الحرب العالميّة الأولى. ومع العالَم العربيّ كانت علاقات تركيا في تلك الحقبة جيّدة وعاديّة؛ وقد زارَ تركيا بعضٌ من الملوك والرؤساء العرب، مع مُفارَقة أنّ أتاتورك لم يَقُمْ بأيّ زيارة خارج تركيا طوال فترة حُكمه. واحدٌ من أهمّ عوامل انكفاء تركيا عن التطلّع إلى خارج حدودها حينها، انكبابُها على ترتيب البَيت الداخلي بعد عاصفةِ انهيار السلْطنة.

تركيا طرفاً في حلف شمال الأطلسيّ

بعد وفاة أتاتورك في العام 1938 واصلَت تركيا سياسةَ الحياد خلال الحرب العالميّة الثانية؛ لكن مع انتهاء الحرب كانت المُعادلات تتغيّر في ظلّ الخلاف الذي نشبَ بين تركيا والاتّحاد السوفياتي، حيث طالَبَ الزعيمُ السوفياتي جوزف ستالين أن تُشارِكَ بلادُهُ تركيا في مُراقَبة مَضيقَيْ البوسفور والدردنيل، بما يُخالِف اتّفاقيّة مونترو للمضائق في العام 1936 التي مَنحتِ السيادةَ الكاملة لتركيا على المضيقَيْن المذكورَيْن، وباستعادة أراضٍ كانت بلاده أَعطتها لتركيا بعد الحرب العالَميّة الأولى. وإذ رَفضتْ أنقرة مُطالبات موسكو، أَلغت هذه اتّفاقيّة الصداقة الثنائيّة التي كانت قد وُقِّعت في العام 1925. وما كان من تركيا إلّا أن انقلبت في سياستها الخارجيّة رأساً على عقب؛ فأبرمت في العام 1947 اتّفاقيّةً للتعاوُن العسكري مع الولايات المتّحدة، المُنتصِرة الأكبر بعد الحرب العالميّة الثانية، فكانت نقطة التحوّل التاريخيّة في توجّهات تركيا من الحياد لتكون طَرَفاً في مُعسكرِ الدول الغربيّة ضدّ المُعسكر الاشتراكي.
تلا ذلك مجموعة من التطوّرات عزَّزت الانتماءَ الغربي لتركيا، أبرزها اعتراف تركيا في العام 1949 بدولة إسرائيل التي أنشئت بقرارٍ من الأُمم المتّحدة، وتبادلت معها التمثيل الديبلوماسي في العام 1949. ومن ثمّ انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي في العام 1952 لتكون الخطوة الأهمّ في عمليّة تأكيد الانتماء الغربي لتركيا.
غادرت تركيا موقعَها الحياديّ السابق، وباتت تؤدّي دورَها كاملاً في إطار حِلف شمال الأطلسي على امتداد فترة الحرب الباردة، وذلك في مُواجَهة حلف وارسو وكلّ الدول وحركات التحرّر التي كان الاتّحاد السوفياتي يَدعمها، وعلى رأسها حركات القوميّة العربيّة، وفي قلْبها مصر بقيادة جمال عبد النّاصر.
وعلى الرّغم من الخلافات التي كانت تَظهر من وقتٍ إلى آخر بين الأطلسي وتركيا، فقد كانت العلاقات بينهما تتواصل بصورةٍ عاديّة وقويّة، وقامتْ تركيا بأدوارٍ مختلفة ضدّ الاتّحاد السوفياتي وحلفائه.
أمّا بالنسبة إلى المنطقة العربيّة تحديداً، فقد اتَّسمت علاقات تركيا بدولِها خلال الحرب الباردة ببرودة، بحيث نَأت بنفسها عن الخلافات العربيّة، وعن التدخُّل في الشؤون الداخليّة لهذه الدول، إلّا بمقدار ما كان يتطلّب ذلك من نوايا عدوانيّة غربيّة مثل المُشارَكة الضمنيّة في عدوان السويس الثلاثي على مصر في العام 1956 والتوتّرات مع سوريا في العام 1957.
وبدءاً من مطلع الثمانينيّات من القرن الماضي ظهرتْ مسألةُ الكفاح المسلَّح لحزب العمّال الكردستاني، والذي اتَّخذ من الأراضي السوريّة مُنطلقاً لنشاطاته ضدّ تركيا، ومن ثمّ أيضاً الأراضي العراقيّة، ونَشأتْ مُعادَلة: تركيا تَقطع مياه دجلة والفرات عن سوريا والعراق، فيما هاتان تضغطان على تركيا بدعْم حزب العُمّال الكردستاني. واستمرَّ الوضعُ على هذا المنوال دونما حلّ حتّى العام 1998.
في نهاية أيلول/ سبتمبر 1998 كان الرئيس التركي سليمان ديميريل يُوجِّه إنذاراً إلى الرئيس السوري حافظ الأسد كي يوقف الدَّعْمَ عن حزب العُمّال الكردستاني وإبعاد زعيمه عبد لله أوجلان من سوريا. وهو الذي حصل بعد ذلك بأيّام، وتوصَّل الطرفان إلى اتّفاقيّة أضنة في العشرين من تشرين الأوّل/ أكتوبر التي نَظَّمت العلاقات الأمنيّة على الحدود ومنْع الاعتداء على البلد الآخر، انطلاقاً من أراضي الدولة الأخرى. أمّا عبد لله أوجلان، فقد غادرَ إلى موسكو ثمّ إلى اليونان فكينيا حيث اعتقلته الاستخباراتُ الأميركيّة والتركيّة في 15 شباط/ فبراير 1999 ونُقل إلى تركيا، حيث لا يزال مُعتقَلاً حتّى الآن في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة.
يُمكن تسجيل الملاحظات التالية على فترة الحرب الباردة:
- كانت تركيا تَتبع سياسةً خارجيّة مُنحازة إلى حلف شمال الأطلسي كونها عضواً فيه. ولعبتِ القواعد الأطلسيّة فيها، ولاسيّما إينجيرلك دَوراً مهمّاً في التجسُّس على المُعسكَر الاشتراكي، وفي الانطلاق بعمليّاتٍ عسكريّة ضدّ الخصوم.
- كانت تركيا حليفاً وثيقاً لإسرائيل على مُختلف الأصعدة العسكريّة والأمنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.. إلخ.
وكانت في المقابل في علاقاتٍ عاديّة مع الدول العربيّة من دون التدخُّل في شؤونها الداخليّة، أي كان التعامل من دولة لدولة، وذلك انطلاقاً من أنّ تركيا بلدٌ يَعتنق قيَماً مثل العلمانيّة والديموقراطيّة (بمعزل عن الماهيّة الفعليّة لِما كان مُطبَّقاً) وهو ما يَفتقده، وفقاً لأنقرة، العالَم العربي والإسلامي.
- ربّما يُمثّل هذا جانباً من الحقيقة، لكنّ الأمر كان يتعلّق فعلاً، أوّلاً بازدراءٍ تركيّ للعرب على خلفيّة اتّهام العرب بأنّهم طَعنوا تركيا في الظهر بثورة الشريف حسين في العام 1916؛ وعلى خلفيّة أنّ النَّزعة الدّينيّة في العالَم الإسلامي هي السائدة وكانت، تبعاً للنخبة الحاكمة في أنقرة، سبباً في تخلُّف العالَم الإسلامي، وهذا يتناقض مع مبدأ العَلْمَنة الذي تَعتنقه تركيا.
- كما أنّ تركيا كانت تتملّكها عقدة «سيفر»، وهي اتّفاقيّة العام 1920 للدول المُنتصِرة التي قسَّمتْ تركيا إلى مناطق نفوذ، ولم تُبْقِ إلّا مساحةً جغرافيّة صغيرة في قلب الأناضول لتكون الدولة التركيّة. وكانت تركيا تخشى التورُّطَ في الخارج، ولاسيّما في المنطقة العربيّة حتّى لا تتعرّض للخطر من جديد.
- أمّا مسألة أنّ تركيا علمانيّة وديموقراطيّة، فهذه مسألة نسبيّة، بمعنى أنّها علمانيّة قياساً إلى الدولة الدّينيّة ولكنّ علمانيّة تركيا كانت في العُمق مَذهبيّة، وأُنشئت برعاية الدولة مؤسّساتٌ دينيّة تَخدم مصالح الغالبيّة السنيّة، وترفض الاعتراف بالمذاهب الأخرى، على الرّغم من أنّ عددها يُقدَّر بالملايين. أمّا الديموقراطيّة، فتركيا كانت البلد الذي عَرف العدد الأكبر من الانقلابات العسكريّة التي كان يمتدّ تأثيرُها لعقود.

حزب العدالة والتنمية والعثمانيّة الجديدة

لم يكُن وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 مجرّد تناوبٍ حزبيّ على السلطة في إطار عمليّة سياسيّة عاديّة، بل كان إيذاناً ببدء مشروعٍ إيديولوجي أَظهر نفسَه بقوّة خلال السنوات التي تَلَتْ.
المُهمّة الأولى للحزب بزعامة رجب طيّب أردوغان كانت كيفيّة العمل على استئصال نفوذ العسكر، حارس العلمانيّة، من الحياة السياسيّة ليتمكَّن من الانتقال إلى تغيير النظام السياسيّ تدريجيّاً من علماني إلى دينيّ. وقد نَجَحَ أردوغان في كسْرِ شوكة المؤسّسة العسكريّة عبر تعديلاتٍ دستوريّة في استفتاءاتٍ وفي البرلمان، وبدعْمٍ من الدول الأوروبيّة.
عملَ أردوغان في الداخل على تعميم النّزعة الإسلاميّة بالسماح بارتداء الحِجاب حتّى داخل المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة وتغيير النّظام التعليمي. ومع أنّه كان لتركيا إنجازات اقتصاديّة مُهمّة في السنوات الأولى من حقبة العدالة والتنمية غير أنّ الأزمات الاقتصاديّة والمعيشيّة كانت تَضرب تركيا، وتنعكس سلباً على الحياة اليوميّة للناس، ولاسيّما بعد اندلاع ما سُمّي بـ «الربيع العربي». كما عملَ أردوغان على تعديلاتٍ دستوريّة تَسمح باستمرار بقائه بطريقةٍ أو بأخرى على رأس السلطة السياسيّة وتَعكس نزعةً غير ديموقراطيّة لمصلحة تعميم نزعة الاستبداد.
أمّا على الصعيد الخارجي، فقد كانت تركيا على موعدٍ مع سياساتٍ مُختلفة تماماً عن سياسات الحكومات السابقة.
رفعت تركيا أوّلاً شعارَ تصفير المشكلات مع جيرانها، ونجحتْ في ذلك لفترة قصيرة، ما لبثت أن انقلبتْ هي عليها مع رفْع شعار العثمانيّة الجديدة، ولاسيّما مع بدء ما سُمّي بـ «الربيع العربي»، وعلى قاعدة أنّ الأراضي العربيّة التي كانت جزءاً من الدولة العثمانيّة يُمكن أن تُشكِّل كومنولثاً عثمانيّاً بزعامة تركيا، كما هو الحال مع الكومنولث الإنكليزي الذي تتزعّمه بريطانيا!
وَجدتْ تركيا مع التحرّكاتِ الاحتجاجيّة في الدول العربيّة الفرصةَ مُناسبةً لتحقيق مشروعها العثماني، فعملتْ على التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة، وحاولتْ تغيير الأنظمة في مصر وتونس وليبيا والمغرب، ساعيةً إلى إيصالِ جماعاتِ الإخوان المُسلمين إلى السلطة في هذه الدول.
أمّا في سوريا، فقد حوَّلت فَشَلَها في إسقاط الرئيس السوري السابق بشّار الأسد إلى شقِّ صفوف الجيش السوري، وتشكيل جيشٍ مُعارِض، وحكومة مؤقّتة، ووصلتْ في العام 2016 إلى حدّ التدخُّل العسكري المباشر، واحتلَّت مناطق جرابلس وصولاً إلى الباب وعفرين، ومن ثمّ مناطق في شمال شرق الفرات. ودَعمتْ ورَعَتْ وجودَ عشرات الآلاف من المساجين المُعارضين من جنسيّاتٍ مختلفة في منطقة إدلب. كما تدخَّلت عسكريّاً في ليبيا، فضلاً عن دعْم أذربيجان ضدّ أرمينيا عامَيْ 2020 و2023، وحوّلت شمال العراق إلى حقلٍ عسكريّ لمُهاجَمة قواعد ومراكز لحزب العمّال الكردستاني.
لم يكُن تدخُّل تركيا العسكري بناءً على أيّ دعوات من حكومات هذه البلدان. وتحت ذرائع مختلفة من التهديد الكرديّ في سوريا، وشمال العراق، كان الجيشُ التركيّ يتحرّك إلى داخل هذه البلدان.
وفي الحقيقة أنّ هناك أكثر من عشرين تصريحاً مباشراً من مسؤولين أتراك، وعلى رأسهم رجب طيّب أردوغان، ومن قَبله رئيس وزرائه أحمد داود أوغلو تشير إلى أهميّة سوريا والعراق، انطلاقاً من كون شمالَيْهما كانا من ضمن حدود الميثاق الملّي لعام 1920. وعلى هذا كانت تركيا تقوم في الأراضي التي احتلَّتها في سوريا، على سبيل المثال، بعمليّاتِ تتريكٍ على مختلف الصعد الديموغرافيّة المذهبيّة والعرقيّة والتعليميّة والجامعيّة والنقديّة والدّينيّة.

الإسلام التركيّ والإسلامات الأخرى

نجحتْ تركيا في البداية، ولكنّها راحَتْ تَصطدم لاحقاً بمُعارَضة الإسلامَيْن الأزهريّ والوهّابيّ لتطلّعاتها في المنطقة لِما تشكّله من خطرٍ وتهديدٍ لهما؛ فسقطَ محمّد مرسي في مصر وراشد الغنّوشي في تونس وسعد الدّين العثماني في المغرب، وانفجرَ الخلافُ بين مصر وتركيا.
وخلال كلّ ذلك، كانت تركيا تَلتزم بواجباتها ضمن حِلف شمال الأطلسي، وفي خلال معركة «طوفان الأقصى» كانت تركيا، على الرّغم من الإبادة الإسرائيليّة لفلسطينيّي غزّة، تُواصِل علاقاتِها التجاريّة القويّة مع إسرائيل، وتُواصِل علاقاتِها الديبلوماسيّة معها في إطار انتمائها الغربيّ.
مع «حزب العدالة والتنمية»، كان المشروعُ التركي عثمانيّاً يقتضي استعادة الهيْمَنة على الجغرافيا العربيّة التي كانت جزءاً من السلْطَنة العثمانيّة. لذا كان التدخُّل في الشؤون الداخليّة لهذه الدول انحيازاً لطرفٍ دون آخر، أو احتلالاً لأجزاءٍ من هذه الدول مثل سوريا والعراق وليبيا. وهذا نقيض ما كانت عليه العلاقات من نِديّةٍ وتعامُلٍ من دولة إلى دولة، بين تركيا والدول العربيّة قَبل وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في العام 2002.
كانت الإيديولوجيا العثمانيّة، بشقَّيْها القومي والمَذهبي، هي المُحدِّد للسياسات الخارجيّة. ولذا هذه الإيديولوجيا، كونها جزءاً قائداً من حركة الإخوان المُسلمين في المنطقة العربيّة والإسلاميّة، هي على طرفَيْ نقيض مع الإسلامَيْن الأزهريّ المصريّ والوهّابيّ السعوديّ والإماراتيّ، فضلاً عن تناقُضِها مع الإسلام الشيعيّ الإيرانيّ الذي خاضت معه حَرباً ضروساً في سوريا والعراق والقوقاز ولبنان وغيرها.
في ظلّ ما تقدّم، فإنّ تقدّم المشروع التركي الآن في سوريا عبر الفصائل المُعارِضة، وإسقاط النظام في سوريا، يَندرج في إطار المشروع الأطلسي والإسرائيليّ، لكنّه في شقّه العثماني، يَضع المنطقةَ العربيّةَ ككلّ أمام مَخاطِر تَجدُّد الصدامات والصراعات وتصعيدها، بينها وبين المشروعات الإسلاميّة والقوميّة الأخرى. وما يُمكن أن يُظنّ أنّه انتصارٌ أو مكاسب تركيّة في سوريا، ليس سوى تعميم حالة التقسيم في سوريا، كما العراق، ويُشكِّل تهديداً إضافيّاً لكلّ جغرافيا المنطقة، ومنها جغرافيا الجمهوريّة التركيّة نفسها واستقرارها، وخصوصاً في ظلّ الانقسام الداخليّ التركيّ بين سنّةٍ وكردٍ وعلويّين، وبين علمانيّين ودينيّين. وما يُفاقِم هذه الفوضى، هو أنّ المشروع الصهيونيّ المدعوم بالكامل من الغربيّين له مصلحة قصوى في إسالة الدماء وتعزيز التفْرِقة بين كلّ الشعوب الموجودة في مُحيطه، من عربٍ وأتراكٍ وإيرانيّين وأكراد.

* باحث ومؤرِّخ مُختصّ في الشؤون التركيّة من لبنان
(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)