في السابع عشر من تشرين الأول عام 2019 اندلعت شرارة انتفاضة غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث. خرج اللبنانيون من كل الطوائف والمناطق إلى الشوارع موحَّدين خلف صرخة واحدة دوّت في الساحات «كلّن يعني كلّن» تلك الصرخة كانت أكثر من مجرّد احتجاج على ضريبة «الواتساب» أو على تدهور معيشي عابر، بل كانت إعلاناً صارخاً ضد منظومة حكم مترهّلة قامت على الامتيازات الطائفية واستُكملت في نهاية الحرب بسلطة محاصصة ميليشيات الإتفاق الثلاثي بدعم من نظام الأسد والتيار الإيراني، وتحوّلت مع الزمن إلى شبكة مصالح عميقة تتناقض جذرياً مع مفهوم دولة المواطنة.
لم تولد 17 تشرين من فراغ فقد سبقتها مؤشرات انهيار متتالية من توقف النمو الاقتصادي عام 2014، إلى فشل الدولة في إدارة المال العام وبدء عمليات تهريب الأموال إلى الخارج منذ العام 2016، مروراً بالعجز الإداري المتفاقم في مؤسسات الدولة وانتهاءً بحرائق صيف 2019 التي كشفت عجز الدولة عن اتخاذ قرار إخماد النيران... في تلك اللحظة بدا واضحاً أن الدولة تتداعى وأن الكيان اللبناني يترنّح أمام تحالف سلطة المحاصصة والفساد والوصاية.
جاءت ثورة تشرين محاولة جريئة لاستعادة منطق الدولة الدستورية الديمقراطية من براثن منظومة تحكمها تبعيّة الغرائز الطائفية والتحالفات المصلحية. رفعت الثورة برنامجاً واضحاً عنوانه تطبيق الدستور وفق ميثاقيّة مقدمته لبناء دولة القانون والمؤسسات، استقلال القضاء، إنشاء مجلس شيوخ يضمن التمثيل الطائفي العادل مقابل مجلس نيابي لا طائفي، وإقرار قانون انتخابي عصري يعكس ميثاقية هذه المقدمة ويكرّس العدالة بين المحافظات وحقوق الإنسان اللبناني.
لكن ما بدأ واعداً سرعان ما تعثّر، غابت القيادة الجامعة بعد أن روّج البعض لخديعة «ما بدنا قيادات» وتسلّلت إلى صفوف الحراك جماعات مدعومة من الخارج تحت شعار «المجتمع المدني» مدجّجة بالتمويل والإعلام لتفرغ الثورة من مضمونها. رفعت هذه المجموعات شعارات اجتماعية منفّرة عن قيّم المجتمع اللبناني مما أدّى إلى انكفاء شرائح واسعة من الشباب الوطني وتحويل الساحات إلى مسرح لتصفية الحسابات السياسية والإيديولوجية والماليّة.
في مواجهة هذا الانحراف حاولت مجموعة من المستقلين المخلصين إعادة البوصلة إلى وجهتها الصحيحة عبر تشكيل نواة سمّت نفسها «حُماة الدستور» انطلقت المبادرة من فكرة الجمع بين الفكر الدستوري والحركة الميدانية، فكان «درع الثورة» لحماية المتظاهرين من البلطجية ثم «قطار الثورة» بمراحله المتتابعة انطلاقاً من قلعة راشيا حيث تعاهد آلاف الثوار بقسمهم المشترك على استرداد الوطن من الفاسدين وبناء دولة العدالة والعيش الحرّ الكريم، وصولاً إلى تحركات ميدانية لدعم عروس الثورة طرابلس ورفض الفتنة، ومطالبة المؤسسات الإعلاميّة نقل تحركاتهم وخطابهم السياسي، كما دعمت القضاء والجيش ووقفت إلى جانب ضحايا انفجار المرفأ...
غير أن الثورة التي افتقدت القيادة والتمويل المستقل والرؤية الموحّدة وجدت نفسها أمام خيار صعب في انتخابات 2022. فبين من دعا إلى المقاطعة لعدم دستورية القانون الانتخابي ومن رأى في المشاركة وسيلة لخرق جدار السلطة ضاعت البوصلة. قرّر المستقلين من «حماة الدستور» بعد نقاش عميق خوض المعركة بشرط الاتفاق على برنامج وطني موحّد عنوانه «تطبيق الدستور» وتحويل المناسبة الى فرصة التسويق للمشروع الإنقاذي الذي يتضمن برنامج الثورة وتسويّة اقتطاع 30% من ثروات من استفاد من المرحلة الماضيّة لاستعادة الثقة وإطلاق الدورة الاقتصاديّة من جديد... غير أن اللقاءات المتعددة فشلت بسبب غياب الرؤية المشتركة وتغليب «العمل الميداني الإنتخابي» لقوى المجتمع المدني على «المنهج الفكري» المرافق لتحركات تفعيل العمل الثوري الحقيقي وقاعدته الشعبيّة الذي يشكّل عمود أي مشروع إصلاحي جديّ.
ما جرى بعد الانتخابات كان أشبه بتجسيد حيّ للمأساة اللبنانية المزمنة. دخل البرلمان عدد من نواب «التغيير» لكنهم لم يتمكنوا من تشكيل كتلة موحّدة أو من التعبير عن روح الثورة التي حملتهم. انقسموا بين شعارات متناقضة ووقع بعضهم في فخّ الواقعية السياسية المتوقعة التي أعادت إنتاج أساليب السلطة القديمة. فبدل أن يتحوّلوا إلى رأس حربة للتغيير وقيادة الحالة الثوريّة الإنقاذيّة الحقيقيّة للشعب تحوّلوا إلى نسخ باهتة من القوى التي ثار عليها الناس.
تشتّت «نواب التغيير» بين محاور متنافسة وغاب عنهم المشروع الدستوري الذي شكّل جوهر ثورة تشرين وشرعيتها. وبذلك نجحت الدولة العميقة في استيعابهم وتحييدهم تماماً كما فعلت سابقاً مع تيار رفع شعارات الإصلاح والتغيير ليُغرر به ويلتحق بحلف الأقليات وبمحور الهيمنة الإقليمي، ولتصبح نسخة أكثر ضعفاً ووهناً مما كانت تدّعي مقاومته.
الحقّ أن 17 تشرين لم تفشل بل أُفشلت عمداً على يد من ادّعوا تمثيلها دون أن يحملوا مشروعها. فشل من تسلّق على أكتافها واستغلّ اسمها لبناء مجده الشخصي أو للتسويق لأجندات غربيّة غريبة عن المجتمع اللبناني. هؤلاء هم من حوّلوا شعارات الثورة عن مسارها الوطني الجامع إلى عناوين هامشية ليفقد الناس الثقة، وتخبو نار الأمل التي أشعلتها الانتفاضة في القلوب...
اليوم وبعد مرور ستّ سنوات على تلك اللحظة المفصلية تبدو الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة روح 17 تشرين بمعناها الدستوري والسيادي والمشروع الإنقاذي لا الشعاراتي. فالطريق إلى إنقاذ لبنان لا يمرّ عبر تحالفات شكلية أو مشاركات رمزية مع سلطة تسيطر عليها دولة الميليشيات العميقة بل عبر رؤيّة إعادة بناء أسس الدولة من جذورها أنطلاقاً من إرساء استقلال السلطة القضائية، إعادة تقسيم المحافظات إدارياً بشكل متوازن وعادل لتحقيق اللامركزية التنموية، إنشاء مجلس شيوخ يضمن حقوق الطوائف يفتح المجال أمام مجلس نيابي لا طائفي كما نصّ اتفاق الطائف، ووضع قانون انتخابي عصري يكرّس المساواة والتمثيل الحقيقي.
فما بُني على باطل لا يمكن أن ينتج إلّا باطلاً. والقانون الانتخابي الحالي الذي يكرّس المحاصصة ويعطّل روح الدستور ويفرض اللاعدالة والشرذمة على كل المستويات لا يمكن أن يكون مدخلاً لأي تغيير حقيقي. وحده تطبيق الدستور نصاً وروحاً واستعادة محوريّة ميثاقية مقدمة الدستور في تفسير كل النصوص وصياغة القوانين وتحقيق العدالة الإنتقاليّة يمكن أن يعيد الثقة لبناء دولة المؤسسات، دولة العدالة والمواطنة.
إنّ إعادة إطلاق مشروع 17 تشرين لا تكون عبر عناوين السيادة الفارغة أو المزايدات الطائفية أو عبر واقعيّة الحاجة الى التحالف مع قوى الإمتيازات اليمينيّة القديمة ومحاصصة ميليشيات الحرب الفاسدة بل عبر عودة صادقة إلى جوهرها الأول، ثورة على الفساد والمحاصصة ودعوة لفرض تطبيق الدستور لبناء دولة القانون والمساواة قبل لعبة الانتخابات. فالثورات لا تموت بل تُسرق أو تُضلّل، لكنها تعود كلما نضجت الظروف واستفاق الوعي الجمعي من غفوته.
اليوم لبنان أمام خيار وجودي إما الاستسلام لمنظومة الامتيازات والمصالح وسلطة محاصصة الإتفاق الثلاثي وداعميها التي أكلت مؤسساته من الداخل وإما عودة روح 17 تشرين بوجهها الدستوري الوطني الجامع، لتكتب الفصل الثاني من ثورة لم تكتمل بعد لكنها ما زالت حيّة في ضمير هذا الشعب الذي يرفض أن يموت.