بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 آب 2025 12:05ص تعبئة الكره المقدّس في لبنان... خنجر يقتل صاحبه!

حجم الخط
في مقابلة تلفزيونية حديثة أطلّ عميد متقاعد سبق أن شغل رئاسة المحكمة العسكرية ليطلق خطاباً تحريضياً صريحاً. تحدّث الرجل بغضب عمّن وصفهم بأنهم «ما خلّوا للصلح مطرح»، متهماً إيّاهم بإهانة «الشخصيات الدينيّة والعقيدة والإمام المهدي ومقدّسات الشيعة». لكنّ المدهش لم يكن مضمون الاتهام بقدر ما كان العجز عن تحديد هوية «المهينين». فعندما سأله أحد المشاركين في الحوار عمّن يقصد هل هم من السنّة أم المسيحيين؟ تهرّب الضابط من الإجابة واكتفى بالقول «السوشيال ميديا موجودة!» قبل أن يغادر الاستوديو رافضاً التدقيق في اتهاماته وافتراءاته متناسي التدخّل العسكري الميليشياوي ضمن عناوين الإنتقام التاريخي في دول الجوار ومسألة التطاول على دول الخليج وعلى رؤساء الحكومة وامتهان شتم كل المعارضين لسياسته وكل أساليب تعبئة الكره التاريخي الذي عايشناه...
هذا المشهد ليس حادثة عابرة، فالعميد المذكور هو نفسه الذي أمضى سنوات في رئاسة المحكمة العسكرية يصدر أحكاماً قاسية ضد شباب ورجال دين وناشطين بل وحتى فتيات بحجة «محاربة الإرهاب وحماية السلم الأهلي». هو نموذج حيّ لمنتوج مرحلة وصاية نظام الأسد على لبنان، حين زُرع في المؤسسات الأمنية والعسكرية طابور من الضباط المرتبطين بالميليشيات التابعة له فتحوّلت أجهزة الدولة إلى أذرع أمنية في خدمة مشروع إقليمي لا في خدمة دولة لبنانية دستورية سياديّة.
قد يكون من المفهوم أن يقع البسطاء والجهلة ضحية التعبئة المذهبية والطائفية، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تتحوّل النخب ممن يُفترض أن يقودوا مسار الدولة إلى أدوات ميليشياوية مُعَبأة في أجهزة القرار. هنا لا تعود الطائفية مجرّد خطاب بل تتحوّل إلى «سلاح إداري إقصائي» يُستخدم لشلّ المؤسسات وتكريس حكم الاستبداد الميليشياوي على كل المستويات.
أحد المفكرين الغربيين شبّه العنصريّ بالإنسان الذي يولد وفي يده خنجر يستعمله لقتل نفسه قبل غيره. وهذا التشبيه ينسحب بدقّة على النماذج التي تعمّم «الكره المقدّس» في لبنان. هؤلاء هم من حرفوا الدولة عن مسارها الدستوري الطبيعي وكرّسوا صورة السنّة كـ«بعبع» يخوَّف به الشيعة والموارنة وغيرهم، ليظهروا أنفسهم كحماة طوائف الأقليات وضامني المقدّسات بينما في الحقيقة هم من دمّر أسس المؤسّسات بعد أن ربطوا الطائفة الشيعية ومعها جزء من الكيان اللبناني بوصاية وتبعيّة خارجية تحت شعار «الممانعة».
الكره المقدّس ليس فقط وليد الشيعيّة الإيرانيّة، فجذوره ضاربة في التاريخ اللبناني الحديث. بُنيت في زمن «المارونية السياسية» تعبئة أيديولوجية على أساس أسطورة «الفينيقية الخالصة» مع تصوير المسلمين كغرباء جاءوا من الصحراء ويجب أن يعودوا إليها. إنها التعبئة ذاتها التي تلقّن للأجيال بوصفها حقائق وتحوّل الهوية إلى سلاح إقصائي.
ومع تبدّل موازين القوى بعد الحرب الأهلية، انتقلت العدوى إلى خطاب «الممانعة» حيث جرى تحويل الصراع مع إسرائيل إلى غطاء لتكريس هيمنة حزبية طائفية على مؤسسات الدولة. النتيجة نفسها تقديس الجماعة وعزلها عن تاريخها وثقافتها وتفاعلها مع كيانيتها الجامعة، شيطنة الآخر ووأد أي محاولة لبناء دولة المواطنة العادلة.
هذه الظاهرة ليست صرف لبنانية، فقد عرفتها الدول الاستعمارية في تبرير عنصريتها ضد «أهل المستعمرات» كما عرفتها أفريقيا في مذابح رواندا وجنوب أفريقيا وجرّبتها منطقتنا في العراق وسوريا. النتيجة دائماً دماء، مجازر وانهيار الدولة.
إن استمرار وجود ضباط ومسؤولين من طينة ذلك العميد في مواقع القرار يشكّل تهديداً وجودياً لطوائفهم وللدولة اللبنانية. المطلوب ليس فقط محاسبتهم بل إعادة النظر سريعاً بكل الأحكام القضائية التي صدرت في مرحلة الهيمنة الأمنية. فالمحكمة العسكرية التي تتبع للإطار السياسي وليس العسكري كانت أداة للانتقام السياسي وبيع ملفات «الإرهاب والعمالة» لا لسيادة العدالة والأمن.
إلى جانب ذلك لا بد من إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية التي وُلدت في زمن الوصاية السورية وإصدار قوانين تطبيقيّة تنظم عملها وفق ما أعلنه الرئيس الحسيني في خطاب استقالته عام 2008. فقد أثبتت التجربة أنّ ضرر الكثير منها أكبر من نفعها وأنها خاضعة لمحاصصة الميليشيات أكثر مما هي خاضعة لمبدأ الدولة. هذا يتطلّب الإصلاح الجذري من خلال تشريع قوانين تنظّم الأجهزة الأمنية والعسكرية وتحرّرها من نفوذ الزعامات الطائفية. تعزيز استقلال السلطة القضائية وضمان شفافيتها بعيداً عن الاستبداد والتفرّد وإعادة الاعتبار للتراتبية والهرميّة والتخصصيّة داخل المؤسسات الأمنية لضمان فعاليتها ومنع استغلالها في الصراعات الطائفية.
وكما تحتاج الأنظمة الإلكترونية إلى برامج مضادّة للفيروسات كي لا تُصاب بالشلل، فإن النظام السياسي والإداري في لبنان يحتاج إلى «مضاد» ضد فيروس الكره المقدّس. هذا المضاد لا يكون إلّا عبر فضح خطاب الكراهية الديني والطائفي والإعلامي، تجريم التحريض الطائفي واعتباره جريمة تهدّد السلم الأهلي. إدراج مكافحة الكره المقدّس في صلب مشروع العدالة الانتقالية بوصفها شرطاً لأي إصلاح أو تغيير.
يقف لبنان اليوم على حافة الانهيار الكامل لا بسبب أزماته الاقتصادية والمالية فحسب بل لأن فيروس الكره المقدس ما زال يتغلغل في مؤسساته وأجهزته. والذين يتحدثون باسم «المقدّسات» من ضباط التبعيّة الميليشياويّة وغيرهم على حساب هيبة الدولة المحتكرة للقوة ليسوا سوى تجسيد لخنجر يقتل صاحبه قبل أن يطعن الآخرين.
الخروج من هذا النفق لا يمرّ عبر التسويات الظرفية ولا عبر استجداء الخارج بل عبر جُرأة داخلية على مواجهة المرض في جذوره الطائفية المؤدلجة لمصالح الخارج والتعبئة المذهبية الدخيلة. وحدها دولة المواطنة الدستورية العادلة قادرة على نزع هذا السكين من قلب الوطن وإطلاق مسار بناء حقيقي يليق بلبنان وتاريخه وتطلّعات شبابه.