لا شكّ في أن هناك تحوّلاً واسعاً يحصل في النظرة إلى إسرائيل، بين شباب العَرب وشِيبِهِم، وشباب الغرب عموماً. ما يشبه الانقلاب يجري، هادئاً حينا وصاخباً حيناً آخَر، مُعَبَّراً عنه في حالات ومكتوماً في حالات أخرى. لكنه جدّي وحقيقي ويدعو إلى المتابعة من دون أوهام تُكَبّره أو تُصغّرُه.
ففي العالَم العربي عموماً، وعند أجيال متعدّدة، يتحدّثون ليس فقط عن السلام مع إسرائيل، بل عن التطبيع كتكملةِ استسلامٍ للعجز المعروف، ويرون أن الدنيا تغيّرت، وأن رفضَهم المتوارَث لإسرائيل بات بلا معنى طالما أنها موجودة وقوية ومسيطرة، وتالياً فإن الاعتراف بها، وبحضورها بيننا، كدولة وشعب هو الأسلَم والأنجع في درء شرّها «المزعوم» عندهم رغم أنهم يرونه بأمّهات العيون، وبأقصى تجلّياته مع نتنياهو وجيشه وطيرانه الحربي، فيتغاضون عنه كأنه.. ما كان، ولا سيكون.. متطوّراً إلى الأسوأ.
والذريعة «الحديثة» هي استنفاد كل (لم يُستنفد شيء جدّي ولا بطريقة!) سبُل المواجهة العسكرية والسياسية والاقتصادية والشعبية مع الدولة العِبرية، من دون نتيجة تُذكَر، لا بل يعتبر أصحاب هذه الفتوى فشلَ المواجهة سبباً مُقْنعاً للانزياح عن المعاني والأفكار الطبيعية «القديمة» تجاه أي احتلال، ويجاهرون أنه تخرّصات «بالية» وخشبيّة.. ويدعون إلى معانٍ وأفكار «واقعية» يتصوّرونها ويصوّرونها تتم بمجرّد إعلان النيّة بالسلام مع إسرائيل قفزاً فوق كل ما تفعله إسرائيل حتى اليوم بالعالم العربي نهاراً جَهاراً ممزوجاً بتصاريح استعلاء عنصري يجيدها مسؤولوها من فوق إلى تحت. ونتنياهو ذاته، قبل شهر رفع الخريطة العربية وقال: «كانوا دولاً مُجتمِعة ضدنا ففرّقناهم واحداً واحداً، والآن إذا أرادوا زيارة بعضهم بعضاً يعطوننا علْماً بذلك».. وفي موضع آخر تفاصحَ عن قرب تحقيقه «إسرائيل الكبرى» التي ستجتاح بلاداً عربية عدّة!
في لبنان هناك فئات كبيرة وكثيرة ومن كل الطوائف لديها هذا المنطق، وثمّةَ مَن يجاهر وثمَة مَن يراوغ فيه، لكنّ الثابت أنه موجود وقويّ. وبعضهم يذهب أبعدَ في تقييم إسرائيل بأنها «لا أطماع لها في لبنان ولا في بلاد العرب».
في سوريا المسألة مختلفة ومعقّدة. فنتيجة مساعدة إسرائيل الطبية والأمنية لمن كانوا في الثورة وتسليح بعض الفصائل بالسرّ كما صار معلوماً، ودعمِها للثوار في مواجهة حكم بشار الأسد، طرأت لدى الشباب أفكار مغايرة لأفكار البعث التي كانت مهيمنة ضد إسرائيل، فسَادَ نوع من الشعور بأن إسرائيل ليست ذلك الوحش الذي صوّره نظامَا الأسدين، بل يمكن الاستفادة منها، والتعاون معها... متجاهلينَ أي خلفية قومية كانت في الجيل السابق، في عملية «تحرير» لقناعات الجيل السوري الجديد تجاه سوريا - الدولة الكاملة - الأرض (فالاحتلال لا يبدو أولوية)، وتجاه القضية الفلسطينية وظروفها حتى وسَط حرب غزّة الطاحنة والفاجرة.
ظهرت هذه «النظرة».. متجاوزةً أنه بنجاح الثورة كشفت إسرائيل وجهها فوراً تجاه سوريا كدولة - أرض وشعب وجيش فانقض طيرانها على كل مخازن الصواريخ، وكل الطائرات الحربية السورية، وكل السلاح الاستراتيجي الذي كان ودمّرته كاملاً، واختار نتنياهو لجنونه وكراهيته لدور سوريا المركزي الذي كان في الممانعة، الوقتَ الذي تلا وصول الثوار إلى القصر الجمهوري في دمشق حيث الجميع منشغل بفرح الانتصار على نظام الأسد، فمرّت حرب نتنياهو على مقدرات جيش سوريا من دون ردّات فعل مناسِبة ولو كلامية تقتضيها تلك الحرب. ثم تقدّم الجيش الإسرائيلي مسافات إضافية شاسعة في الجولان حتى درعا، وتدخّل بعد ذلك في أحداث السويداء مُظهراً تعاطفاً لوجستياً مع الدروز، فانتهت الأحداث في المدينة على... رفع العلَم الإسرائيلي فيها.
ومع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة توثّقت العلاقة الرسمية، من بعيد، مع إسرائيل، بواسطة الرئيس الأميركي ترامب الذي أعلن أن الاتفاقات بين دولتي إسرائيل وسوريا سائرة قُدُماً، وأضاف وزير الخارجية السوري أحمد الشيباني بأن التطبيع مع إسرائيل «سيحدث تدريجاً».
إذَن، في لبنان الشعبي هناك انسياب عند الكثيرين مع موضوع الصلح مع إسرائيل دون الالتفات إلى الماضي «المرتبط بلبنان الوطن المُعاني من حروب إسرائيل علينا، ولا بأهل الجنوب وخياراتهم» كونهم المتضرّرين المباشَرين من نوايا العدو ووقائعه الدامغة، ولا بالمستقبل الذي تدلّ البراهين الراهنة أنه سيبقى مُجلجِلاً عدوانياً. أما لبنان الرسمي فلا يزال على مسافة من المسألة وتحاذر الشخصيات الوازنة في الدولة من التعاطي معه في هذا الظرف الذي لا تزال إسرائيل تحتل أجزاء من أراضٍ لبنانية، وكل ما يجري من محاولات أميركية - إسرائيلية لإدخال رسميين لبنانيين في المفاوضات العسكرية مع إسرائيل، لم يؤدِّ إلى نتيجة، باختلافٍ صريح عمّا يبدو في سوريا من أن لا ممانعة أو تلكّؤاً من الحكم الجديد.
أما في بلاد الخليج العربي، فهناك المطبّعون (باتفاقات وبدونها) من الأنظمة وشعوبها، وهناك السعودية التي لا تزال تعلن أن إقرار حلّ الدولتين شرط للسلام، وهذا لم يحصل. إنما الشعب السعودي، على الأقل كتّاب الصحافة الكثُر والإعلاميون فلا يتعاطون مع الموضوع على أنه من المحرّمات، بل بشروط تحفظ ماء وجه القضية المركزية العربية: فلسطين، كما هو موقف الحكومة السعودية، وإنْ كان البعض منهم قد تجاوز الآخَرين فرحّب بإسرائيل وبالتطبيع معها، لإنهاء هذا الصراع المزمن.
في مصر معروف الموقف. فاتفاقية السلام «كامب ديڤيد» لم تحقق تطبيعاً شعبياً بقيَ محرّماً في المجتمع المصري رغم مرور قرابة خمسين عاماً على الاتفاقية. وتحكي الصحافة المصرية اليوم عن رغبة الرئيس عبد الفتاح السيسي الشديدة في تعديلها بما يصحح أخطائها التي تَنقض السيادة، تحديداً في مسألة الأمن.
الواضح في المحصّلة العربية، أن السلام أضحى مقبولاً... ومشغولاً عليه، ومتداولاً برضى، في عزّ الحرب على لبنان و.. غزة... التي انقلبَ فائض إرهاب الدولة العِبرية فيها، لدى مجتمعات الغَرب، إلى سبب كراهيةٍ ورفضٍ لأفاعيل إسرائيل. وأكثر هذه «المفاجآت» حصلت في الولايات المتحدة، راعية إسرائيل وأُمها المدلِّلة.
وإذا كانت حرب غزة ولبنان قد «دفَشَت» المجتمعات العربية إلى الاقتناع بالسلام مع إسرائيل خوفاً ورعباً من شيطانها نتنياهو فإن ذلك الشيطان نفسَه ورعبَه أيقظ عالَم أميركا والغرب من الجانب الإنساني المطلق. وما يحدث حالياً في الولايات المتحدة «كبير جداً» كما يقول البحّاثة، منذ إشارة نجاح زهران ممداني المزلزلة في عمادة مدينة نيويورك، وانتخاب ما نسبته ٣٣ بالمئة من اليهود له رغم توصية ثلاثمائة حاخام يهودي في المدينة بحجب تصويتهم عنه، فضلاً عن استطلاع رأي أظهر أن خمس ولايات أميركية قرر المُسْتطلَعون فيها أنهم لن ينتخبوا في المستقبل أي شخص مدعوم من «اللوبي الصهيوني» وهو ما اعتبرته إسرائيل عبر إعلامها «أعمق طعنة للوجود اليهودي في أميركا»، ناهيك عن قضية جيفري أبسين التي غطّست رؤوساً سياسية (منها أصابع اتهام إلى ترامب شخصياً) ضخمة في الوحل.
كل ذلك يترافق مع توجّهات شعبية لدى الجيل الأميركي الجديد تدعو إلى وقف المساعدات العسكرية الهائلة التي يَقتل بها نتنياهو الناس في العالم العربي، وهي أصلاً من أموال ضرائب الأميركيين، وإعادة النظر عميقاً في السردية اليهودية لمظلومية اليهود بين العرَب وقد تبيّن للعالَم بأسْره أن العرب هم مَن يعاني مظلومية من الفكر الصهيوني الأسْوَد.
باحث أميركي شهير كتبَ أن عدم انصياع اليهود لأوامر الحاخامات بعدم التصويت لممداني، أدّى إليه «تآكل الهوية اليهودية» نتيجة الزواجات بين اليهود والأميركيين، بالإضافة إلى مجازر ومذابح وإبادة غزّة التي نال نتنياهو عنها تهمة دولية تلاحقه في بعض الدول، ما جعل بعض اليهود أنفسهم في أميركا متبرّمين منه، «مُضطهدين ومكروهين» من قطاعات واسعة في المجتمع الأميركي بسببه.
ومع أن أي سلام بين عدوّين تاريخيين لا يجوز توقيته في حالة وجود غالب لا يرعوي، ويتفَرْعنُ في كل الاتجاهات، ويهدّد ويتوعّد وينفّذ جحيمه... ووجود مغلوب تكالبت عليه قوى ظلامية شتّى، لأن النتيجة ستكون تسليماً، وإلقاء للنفس في المجهول، ووخيمةً... ولا سيّما أن عدوّك هنا إسرائيل المعروف عنها لا تعير المواثيق ولا الاتفاقات قيمة، وتريدك نموذجاً عن «سلامها» مع السلطة الفلسطينية عارياً من السلاح. هذا ما يُرى جليّاً في بلاد العرب عموماً، مع بعض الاستثناءات التي لا يُعرف مدى صمودها على قناعاتها، ومدى قوتها في الرفض.
وبما أن التوقيت غلط وغير متوازن في شيء، فقبول السلام له أثمانه الوطنية والنفسية التي لا بدّ من أن تتغيّر مع بعض الوقت فتؤدي إلى صحوة تكشف لوماً للذات الوطنية.. كونها فرّطت بأمور لا يُفرط بها تحت ذريعة الضعف، والضعف ليس قَدَراً في حياة الشعوب وسيتغيّر حكماً بعوامل الزمن كونه ليس أبدياً... كما أنّ معاندة السلام من دون بأس واستعداد وعسكر يقاوم، ويمكن أن ينتصر، لها ويلاتها ومآسيها وربما هزائمها. ولا يظنّن أحد أن خياره سهل وبسيط ويمرّ بالتي هي أحسن.
يُذكَر هنا أن أعتق وأعتى الداعين من العرب إلى التطبيع مع إسرائيل، هم فئة لبنانية تعاونت معها مباشرة تسليحاً وتمويلاً وتدريباً، وساعدتها في اجتياح لبنان عام ١٩٨٢ وما زالت هذه الفئة موجودة في الساحة السياسية نواباً ووزراء..
المفارَقة العجيبة: لقد «انحرَف» العرَب وجيلُهم الشاب وأكثر المخضرمين منهم إلى قبول إسرائيل وشعبها في خضم إبادة غزة وناسها وتدمير كل ما له علاقة «بدولة» فلسطينية ممكنة، بعدما كانت فلسطين قضية مركزية عندهم... في وقت واحد مع «انحراف» الغَرْب ودوَله وشعوبه إلى تفهّم الواقع الفلسطيني المضروب بنار الاحتلال الإسرائيلي بعدما كان مسلوب المعرفة الحقيقية!