لم يتبقَّ وقت طويل من هذا العام، أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لتفكيك الأزمات التي تضرب مناطق نفوذ الولايات المتحدة، في الشرق الأوسط، وفي العالم. فهو لا يهدأ، وكذلك موفدوه، حركة دائمة وزيارات متعاقبة، وإتصالات ومواصلات، وتواصلات. ولكن النتائج ربما تنتظر السنة القادمة، حتى تظهر تباشير الحلول. هذا إذا ما حسنت النيّات، وصلحت الإرادات، وسار كل شيء على ما يرام. وهذا من سابع المستحيلات...
فلبنان مثلا، يتصدر المشهد. فجميع الوعود والعهود التي قطعت، لا تزال تنتظر الآليات الصالحة لتنفيذها. فليس هناك في الأفق، ما يشي، بأن حصرية السلاح سالكة، وبأن الإصلاحات السياسية والقضائية والمالية، ستطبق، لإختلاف أهل الحل والعقد على السبل الصالحة للجميع، لئلا يقع البلد في الشرذمات، فيصيبه الشلل من جديد.
الإدارة الأميركية تريد الإجماع الوطني على نهوض لبنان من كبوته، في العهد الجديد. وكل يوم تؤكد على ضرورة المضي في تنفيذ الوعود، غير أن حساب الحقل لا يتطابق مع حساب البيدر، لأن العامل الخارجي، لا يزال شديد التأثير عليه، وهو واقع حكما تحت ضغوط، ربما إحتاجت إلى الكثير من الدعم ومن العودة إلى الجهات النافذة التي تؤثر على تنفيذ القرارات الدولية.
تتنكب الإدارة الأميركية وحدها، أثقال الشرق الأوسط والعالم، ولا تريد شراكة مع أحد، أقلّه ما يظهر للعيان، وهذا لمما يؤخّر المسارات، ويؤجل، بل يعيق الحلول. وعليها أن تدرك قبل فوات الأوان، أن إستبعاد الشركاء يصبّ بكل واقعية، في تأخير الإثبات السياسي، وأن موعد آخر العام 2025، هو موعد جديّ، وليس موعدا لرفع العتب عنها، لأن لبنان ينتظر آخر العام، حتى يبصر النور.
أما في سوريا، فلا زالت البلاد تتخبط في سياساتها الداخلية والخارجية، والتهديد بالإنفصال وبالإنشقاق قائم على قدم وساق: في السويداء وفي حوران وفي مناطق الأكراد، وحتى في الساحل وفي إدلب، حيث السيطرة هناك، للقوى ذات الدعم التركي. وأما في داخل محافظات سوريا، ذات الأغلبية السنية، وخصوصا تلك المحيطة بالعاصمة دمشق، فهي لا تزال تعاني من شرذمات الفصائل السابقة، والتي تند عن سلطة دمشق وسلطانها. وهي كذلك لم تنضو تحت سقف الدولة الناهضة وشرعيتها، ولا تزال تحمل السلاح، بحجة انه سلاح القبائل والقوى والفصائل المساندة.
وفي الآونة الأخيرة، حمي وطيس الحرب في السودان، وصارت جميع البلاد إلى النيران.. وإلى المجاعات، ولم تذق السودان في تاريخها الحديث ولا القديم، ما يصيبها اليوم، على أيدي القوى المصارعة. فالصراع على مناجم الذهب والمعادن الثمينة، آخذ في التصعيد. ولم تدرك الولايات المتحدة بعد، أن ساحة السودان، ليست لها وحدها.
وفي بلاد المغرب، وخصوصا في ليبيا وفي الصحراء المغربية، وكذلك في أعماق أفريقيا، لا تزال القوى المتصارعة، تتعادل في الضربات، وليس هناك في المدى المنظور، أية آمال لطي صفحة الحرب، وسحب الآلات العسكرية من شوارع المدن الكبرى والصغرى، ولا تزال الحرب هناك تعوم على براميل النفط، الآخذة في الإشتعال.
وفي الآونة الأخيرة، كثر الحراك السياسي الأميركي، نحو بلاد الصين وكوريا وماليزيا. ولم تكن بلاد أندونيسيا، بعيدة عن ذلك. غير أن جميع التصريحات وكذلك جميع التسريبات، عن هذه المحادثات، السرية في جانب، والعلنية في جانب آخر، لم تترك أي آثار على الأرض. ولا تزال القوى متعادلة على صعيد الأزمات. فإذا ما شدّ «شي»، أرخى «ترامب». وإذا ما شدّ ترامب أرخى شي، حتى لا تنقطع المحادثات.
والسؤال موصول إلى محادثات ألاسكا. فما أنتجت حتى الآن؟ وما هي الآمال التي تؤملها الولايات المتحدة من هذه القمة؟ وهل هناك في الأفق تسجيل تراجعات، عن الوعود والعهود التي قطعت مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو الذي لا يزال يهزأ من التهديدات والعقوبات.
أما الحرب الأميركية الإيرانية، فإلام إنتهت. ولا يزال المشروع النووي على نار حامية. ولا زالت وحدة الساحات متماسكة، في وجه الإدارة الأميركية: في لبنان وفي العراق وفي اليمن وفي غزة، وعلى صعيد القرار الإيراني، الذي لم يسجل بعد أي تراجع عن المضي في سياسته المعادية للإدارة الأميركية، حتى آخر الشوط.
إدارة الأزمات، لا تفكيكها إنما هي نسيج الأفلام السينمائية الأميركية اليوم. ولو أن العالم كله، يقف أمامها على «رجل ونصف». وأما الرئيس دونالد ترامب، فهو غير مستعجل في أمره، فسيّان عنده، إن كان الحل في لبنان قاب شهرين أو أدنى، أو أنه يتأخّر حتى آخر العهد. ومثله سائر الأزمات في الشرق الأوسط، وفي العالم، لأن الإدارة الأميركية، لا أحد في العالم يعرف سرّها من الأزمات، حتى ولو كان الرئيس دونالد ترامب، صاحب أعظم الصفقات!.. وأيضا صاحب أعظم المسرحيات...
* أستاذ في الجامعة اللبنانية