الاعتداء على قطر أثار استنكارًا عربيًا وإسلاميًا كبيرًا، خاصة أنه طال دولة تمارس دور الوساطة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ما اعتبر تجاوزاً للخطّ الأحمر.
مما استوجب عقد قمة عربية وإسلامية طارئة لبحث الرد على هذا الاعتداء قمة جاءت في توقيت يفترض أن يكون مفعمًا بالضغط والتوتر، قمة كانت من المفترض تأتي بموقف موحَّد يُترجَم إلى خطوات عملية وليس مجرد بيانات.
صحيح أن القمة عُقدت بمشاركة واسعة وشاملة كل الدول العربية والإسلامية، وأصدرت بيانًا تضمن وأكد على التضامن الكامل مع قطر ضد العدوان الإسرائيلي على سيادتها، واصفا الاعتداء بأنه يُقوّض فرص السلام في المنطقة، مع دعوة كل الدول المشاركة إلى "اتخاذ كافة التدابير القانونية والفعّالة الممكنة لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، بما فيها مراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها".
بالرغم مما سبق، هناك عدة ملاحظات تُبرز أن القمة، رغم أهميتها الرمزية، لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات في العديد من الجوانب:
1. غياب قرارات ملموسة ذات تأثير مباشر وكبير، مثل:
فتح المعابر، أو فرض حصار اقتصادي فعلي على إسرائيل من الدول العربية، أو إغلاق مجالها الجوي أمام الطيران الإسرائيلي، أو سحب السفراء، أو قطع العلاقات تمامًا.
عدم تفعيل اتفاق الدفاع العربي المشترك رغم أن الخطوة طُرحت، لكنها وُصفت بأنها غير ممكنة في الظروف الحالية( وهذا أمر مستغرب أمام حجم التوحش والتغول الصهيوني)
2. التركيز على الشجب والإدانات اللفظية أكثر من العمل السياسي أو القانوني، مما جعل الموقف يبدو ضعيفًا لدى بعض المراقبين: القمة "ليست مجرد اجتماع طارئ" كما قال البعض، لكنها في الغالب تصريحات دون تنفيذ.
3. عدم وجود إجماع حقيقي بشأن الخطوات الأكثر جرأة من بعض الدول، ربما بسبب علاقات رسمية أو مصالح اقتصادية أو خلافات سياسية مسبقة. فمثلاً، بعض الدول التي لديها تعاملات اقتصادية أو مصالح أمنية مشتركة مع الغرب أو حتى إسرائيل، قد لا ترغب بخسارة هذه المصالح إذا ما قُدِّم على حساب موقف شعبي. هذا أدى إلى ضعف خيارات القمة في اتخاذ قرارات صارمة.
4. التركيز على القضية الفلسطينية تحديدًا، مع إشارات إلى لبنان وسوريا، لكن دون استراتيجية واضحة لمتابعة الوضع في تلك الدول
فلينان الذي يعاني من تداعيات التصعيد المتكرر، إن بالخسائر المادية والبشرية، التدخلات، وتأثر السلم الأهلي ورغم تأكيد القمة على سيادة لبنان، لكنها لم تطرح مقترحات عملية لحماية لبنان من الانزلاق للحرب الأهلية التي نبه إليها امير قطر وضرورة وقف النزاع والتوجه نحو الحلول السياسية، لكن دون ذكر آلية واضحة أو دعم مادي/عسكري/قانوني ملموس.
اما حول الوضع السوري ورغم إشارة احمد الشرع للاعتداءات المستمرة على سوريا رغم تواصله مع الراعي الاميركي وتكثيف اتصالاته حتى مع العدو الاسرائيلي لكن لم تحدد مقترحات تنفيذية واضحة أو خطوات للقضاء على تلك الانتهاكات أو حتى العمل على حماية اهل سوريا بكل اطيافهم.
5. التركيز الداخلي والموقع الرمزي لقطر كوسيط متضرر أكثر من انقضاض جماعي لإعادة رسم السياسات في مواجهة التوسع الإسرائيلي أو المساس بالسيادة العربية. أي أن القمة أخذت بعدًا دفاعيًا الدفاع عن قطر أولًا، ثم الدفاع عن القضية الفلسطينية، دون أن تتنقل إلى الهجوم الاستراتيجي.
الاكثر غرابة هو عدم ايلاء الموضوع الفلسطيني الاهمية بمكان خصوصا موضوع الحصار، القصف، التدمير، العدد الضخم للضحايا، الأزمة الإنسانية المستعصية. مع تكرار للمطالب نفسها منذ عامين وقف العدوان، فتح المعابر، دعم مادي وإنساني، محاسبة على الجرائم المرتكبة، لكن التنفيذ ضعيف أو غير متاح لدى بعض الدول. وكان من استهدف في قطر ليسوا من هم المعنيين بهذه الأوضاع مما يخدم الأجندة الصهيونية بصرف الانتباه عما يحصل في غزة وكان الاستهداف هو لقطر بذاتها وليس لأنها تستقبل ممثلي من يتعرضون للابادة في فلسطين المحتلة وخصوصا ما يجري أيضا في الضفة الغربية لما يشكل ذلك من خطر كبير وكبير جدا على القضية الفلسطينية.
السكوت العربي: لماذا؟
السكوت أو الردود الخجولة ليست مفاجئة إن نظرنا إلى المحاور التالية:
1. المصالح السياسية والاقتصادية
دول كثيرة لها علاقات رسمية مع إسرائيل أو مصالح مع الغالبية العظمى من الدول الغربية التي تدعم إسرائيل دبلوماسيًا أو عسكريًا. هذه الدول لا تُريد أن تُفقد مزاياها أو أن تُورط اقتصادها أو أمنها في مواجهة مباشرة.
2. القوة العسكرية والأمنية
ليس لدى كل الدول العربية القدرة على الرد العسكري أو اتخاذ إجراءات مؤثرة دون تحمل تكلفة عالية. غالبها يعتمد على الدعم الدولي، ويخشى التداعيات الأمنية الداخلية أو الخارجية.
3. التوازنات الإقليمية
بعض الدول تخشى أن تؤدي الخطوة القوية إلى مواجهة إقليمية أو نسف الوساطات، أو أن يُعزّز تدخلات دول من غير العربية (إيران، تركيا، جهات دولية) على حسابها.
4. الافتقار لوحدة استراتيجية
المؤسف في الأمر أن الدول العربية والإسلامية ليست كتلة موحدة لكل الملفات. الخلافات حول الأولويات، الوسائل، التحالفات تظهر في المواقف، إما بصمت أو باختلاف الأساليب.
5. الضغوط الدولية والإقليمية
التزامات واعتبارات دبلوماسية، اقتصادية، حظر استيراد أو تصدير، علاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا غالبًا ما تُحول دون اتخاذ قرارات قد تُعتبر استفزازية.
قمة مثل هذه تُعدّ ضرورية على المستوى الرمزي، فهي تجبر الجميع على الكلام والاعتراف بوجود خطاً أحمراً عندما تُستهدف دولة عربية وسيّدة.
لكنها ليست كافية. المراقبون سيقيسون مواقف الدول ليس على الكلمات بل على إجراءات ملموسة: مقاطعة اقتصادية، سحب سفراء، دعم قانوني (رفع قضايا أمام محاكم دولية)، فرض عقوبات، إلخ....
هناك تركيز كبير على غزة، لكن القضية ليست فقط فلسطينية؛ لبنان وسوريا ودول مثل اليمن وغيرها من المناطق التي تشهد تدخلات وعدوانًا – لا بد من رؤية كلية تحافظ على الأمن العربي والإسلامي، لا تُقصر المواجهة على بعض الدول دون الأخرى.
ما هو المطلوب؟
لكي تُترجَم قمة كهذه إلى موقف قوي يتجاوز الشجب، كان من الممكن أن تتضمن:
إعلان مقاطعة دبلوماسية مع إسرائيل من كل الدول المشاركة—سحب سفراء، تعليق الاتفاقيات الاقتصادية أو الأمنية.
فرض عقوبات اقتصادية مشتركة، أو عمليات مراقبة لوقف التسهيلات التجارية مع إسرائيل.
توجيه القضية إلى المحاكم الدولية: مجلس الأمن، محكمة الجنايات الدولية، محكمة العدل الدولية، مع رفع دعاوى عن جرائم الحرب أو الانتهاكات القانونية الدولية.
دعم مادي وإنساني عاجل لغزة ولبنان، مع ضمان آليات مراقبة مستقلة لضمان وصول المساعدات.
خطوات عسكرية أو أمنية مشتركة، أو حتى تنسيق استخباراتي لمنع التصعيد، حماية الحدود، تضييق الخيارات الاستراتيجية للأطراف المعتدية.
خطاب جماهيري وإعلامي موحد، لتغذية الرأي العام وتمكين ضغط شعبي على الأنظمة حتى تُنفّذ المواقف المعلنة.
القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة تجلّى فيها موقف موحَّد من حيث التضامن والتنديد، وكانت بمثابة ردّاً رمزياً ضرورياً على خرق سيادة دولة عربية ووسيط دولي.
لكن، من جهة ثانية، فشلت إلى حد كبير في اتخاذ قرارات عالية التأثير، مما أثار انتقادات بأن المواقف ما زالت كلمات بلا آلية تنفيذية قوية.
العميد علي ابي رعد- خبير عسكري