بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الثاني 2026 12:10ص جنوب الليطاني: اعتداء يومي أم مشروع قديم يتجدّد؟

حجم الخط
ما يتعرّض له لبنان اليوم، ولا سيّما منطقة جنوب الليطاني، لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة اعتداءات معزولة أو «تصعيداً موضعياً» مرتبطاً بظروف أمنية طارئة. فالتكرار اليومي للقصف، والتحليق، والاستهداف، وتحويل القرى إلى مناطق ضغط دائم، يشير إلى ما هو أبعد من خرق عسكري: إلى منطق سياسي - استراتيجي قديم يُعاد إحياؤه.
ففكرة التمدّد الإسرائيلي شمالاً، وضمّ منطقة جنوب الليطاني أو وضعها تحت وصاية دائمة، ليست وليدة اللحظة. منذ مؤتمر السلام في باريس عام 1919، طالبت الحركة الصهيونية صراحة بضمّ جنوب لبنان إلى «الوطن القومي اليهودي»، بحجّة الأمن والمياه والحدود «الطبيعية». يومها رُفض الطلب، لكن الفكرة لم تُدفن، بل بقيت كامنة في الأدبيات والخطط.
التاريخ يُعلّمنا أن إسرائيل لا تتخلّى عن مشاريعها، بل تنتظر اللحظة المناسبة. وما جرى في فلسطين عام 1948 شاهد صارخ: لم يكن تهجير الفلسطينيين نتيجة معارك عشوائية، بل سياسة منظّمة هدفت إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين. هذا ما وثّقه المؤرّخ الإسرائيلي إيلان بابِه في كتابه الشهير «التطهير العرقي في فلسطين»، حيث أظهر، استناداً إلى أرشيف إسرائيلي، كيف قامت «الهاغاناه» بتدمير القرى وتهجير أهلها عمداً، لمنع أي عودة لاحقة.
اليوم، حين تُستهدف القرى جنوب الليطاني بشكل متكرّر، وتُضرب الأراضي الزراعية، وتُهدَّد الحياة اليومية للسكان، لا يمكن تجاهل هذا النموذج التاريخي. فخلق واقع من الخوف، والضغط المستمر، وانعدام الاستقرار، هو دائماً الخطوة الأولى في تفريغ الأرض من أهلها، أو على الأقل في جعل بقائهم مكلفاً وغير قابل للاستمرار.
الخطير أنّ هذا المسار يُدار بصمت دولي شبه كامل، وبخطاب يختزل ما يجري في إطار «ردود محدودة» أو «قواعد اشتباك». لكن بين الحرب الشاملة والصمت الكامل مساحة واسعة من الفعل السياسي والقانوني لم تُستخدم بعد. فالاعتداء حين يصبح يومياً، ويتحوّل إلى أمر اعتيادي، يفقد المجتمع الدولي حساسيته تجاهه، وتُمحى الحدود بين الخرق المؤقّت والمشروع الدائم.
جنوب الليطاني ليس هامشاً جغرافياً، بل خط تماس سيادي. وأهله ليسوا تفصيلاً أمنياً، بل مواطنين يُطلب منهم اليوم التعايش مع خطر دائم، كما طُلب من غيرهم في تجارب سابقة انتهت بالاقتلاع والتهجير. تجاهل هذا البُعد التاريخي هو إنكار للواقع، لا حماية للاستقرار.
إن مواجهة ما يجري لا تكون بالشعارات ولا بالانفعال، بل بتسمية الأشياء بأسمائها: ما يحدث جنوب الليطاني ليس حادثاً، بل جزء من مشروع ضغط طويل الأمد، سبق أن عُرف في فلسطين، ولا يجوز التعامل معه كأمر طبيعي. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد منطقَه، والسكوت عنه لا يمنع تكراره.