لا نريد أن نتتبّع تاريخ اللبنانيين في الرفض والمقاومة ها هنا، فلهذا تاريخ طويل، يعود إلى عهود طويلة، من عمر لبنان العنيد. إنما نريد أن نلمح، إلى بعض هذه الصور من الرفض والمقاومة، منذ تأسيس الإمارة المعنية في جبل لبنان، وكذلك إلى بعض هذه الصور في عهد الإمارة الشهابية الوريثة الشرعية لها، وكذا الأمر في عهد القائممقاميتين، وعهد المتصرفية، التي أبطلتها الحرب العالمية الأولى، ونهوض الدولة العثمانية للإشتراك فيها، وظهور المعارضة والمقاومة لها، مع تنفيذ حكم الإعدامات في ساحة الشهداء.
والحديث موصول أيضا، إلى ظهور المعارضة اللبنانية وكذلك المقاومة اللبنانية، في فترة ما بين الحربين العالميتين، في وجه الإنتداب الفرنسي، وهي التي أرست الانقسامات بين الصفوف، وجعلت الدولة اللبنانية، ترسو على قلقها. فكان الإستقلال، وفي ثوبه حروق المعارضة والمقاومة، وهذا ما شوّه مسيرة الدولة، وجعل الجمر تحت الرماد.
هل نشير أيضا، إلى ثورة الإستقلال، وإلى الانقلاب الأبيض على رئيس الجمهورية الأول بشارة الخوري، في ذلك العهد المبكر من تاريخ الإستقلال؟ أم نتحدث عن ثورة العام 1958 في وجه الرئيس شمعون، وعن الإنقلاب على الرئيس فؤاد شهاب؟ فتاريخ لبنان طويل ودامٍ.. وكله حروب وفتن وثورات.
غير أن التحوّل الأهم، في تاريخ المعارضة والمقاومة، كان مع إنطلاقة الرصاصة الأولى من بيروت في 1/1/1965، على يد منظمة فتح الفلسطينية، وهي التي أسّست لظهور المعارضة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية. خطان متوازيان يتقاطعان، على لبنان وعلى فلسطين، ومؤسسان منذ ذلك التاريخ، لتشابك الأيدي اللبنانية والأيدي الفلسطينية. إمتدّ زهاء ما يقارب ثلاثة أرباع القرن ولا تزال الجذوة مشتعلة حتى اليوم.
إنتقال شعلة المعارضة والمقاومة، إلى يد «حزب الله»، أسّس لإنتفاضة وحربين داميتين مع إسرائيل. أما الإنتفاضة، فقد ذهبت بإتفاق السابع عشر من أيار الشهير. وأما الحرب الأولى، فكانت في الثاني عشر من تموز العام 2006. وإنتهت بخروج إسرائيل من لبنان، وثبتت تحرير الجنوب، مع الإشارة إلى احتفاظ إسرائيل بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، والإختلاف على التفسير.
ثم وقعت حرب الإسناد في الثامن من أوكتوبر 2023، وكانت ثقيلة للغاية على الجنوب والجنوبيين وعلى أهل الضاحية الجنوبية، وعلى بيروت، وعلى كل لبنان. وكانت فاتورتها بالغة الأثمان: قتل فيها الأمينان العامان لحزب الله، والصف الأول من قادته، ومعظم قيادات الصف الثاني. وإنتهت بإعلان وقف النار، في أواخر أيلول العام 2024.
أوقف حزب الله منذ ذلك الحين جولاته الحربية، غير أن إسرائيل استمرت في الإحتفاظ بالتلال الخمس، وبتدمير القرى الجنوبية المواجهة للمستوطنات الشمالية، وما تكتشف من بنى عسكرية للمقاومة أينما كان، بحجة ورود ذلك في إتفاق وقف النار. وانتقلت إسرائيل بترويع اللبنانيين، بنوع من الحرب الجديدة، هي حرب المسيّرات، التي صارت تقتل اللبنانيين على الطرقات وفي المنازل، وتضرب البنى العسكرية، في شمال الليطاني والبقاع الغربي والبقاع الشمالي، حتى جرود الهرمل.. وكذلك في العمق السوري، وأينما إستدلت على مخبأ أو على مصنع للمقاومة.
في الآونة الأخيرة تحركت القوى الدولية، وخصوصا الراعية الأولى لوقف النار، الولايات المتحدة، واللجنة السداسية، التي عرفت بالميكانيزم.
ووصل إلى لبنان توم برّاك، وكذلك بعض الوفود الأميركية الكبيرة التي تضم شخصيات هامة في الإدارة الأميركية الجديدة. ووصل أيضا، المبعوث المصري. جميعهم يحذّرون من حرب جديدة أعظم من الأولى وأقسى منها وأشدّ. أما المقاومة، فلا تزال تتمسّك بسلاحها، وتدعو الدولة للتراجع عن حصرية السلاح، لأنها بذلك تسهّل الأعمال العدوانية على لبنان، ويصير البلد إلى الإنكشاف أمامها.
يجمع المراقبون على مجرى المحادثات، وعلى ما تنتهي إليه تلك المحادثات مع المسؤولين اللبنانيين ومع حزب الله، بأن لبنان على شفا جولة نهائيات المقاومة. فهذه الجولة لا بد منها، لأنها من نوع الركلات، وهي التي تحدد بقاء المقاومة في لبنان من عدمه.
وأما نحن فنقول، كما يقول المثل العربي الشهير:
«الصبر على مجامر الكرام».
* أستاذ في الجامعة اللبنانية