كيف يمكن للمتابعين من اللبنانيين، كل اللبنانيين أن يصدّقوا ان الرقم ٥ قد فرض نفسه وتربّع على عرش الأحداث المتسارعة في لبنان من سياسية وأمنية وتفاوضية من دون رقيب أو حسيب، وهل كانت مصادفة لكي يبرز الرقم خمسة دون غيره على تسلسل تلك الأحداث والقرارات والتطورات في هذا البلد، وماذا بعد؟؟
فلو تمعّن بعضنا قليلاً في كل ما جرى ويجري على الساحة الداخلية وفي كل ما شهده لبنان مؤخراً، وما قد يشهده مستقبلاً، لتسنّى لنا أن نستشف بوضوح ان الرقم ٥ كان له ما له من التسلل والتغلغل في حيثيات كل شاردة وواردة، وصغيرة وكبيرة من القرارات المصيرية التي باتت تشكّل الهاجس الأكبر عند اللبنانيين جميعاً وأصبحت شغلهم الشاغل في حياتهم اليومية خلال هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة من تاريخ لبنان الحديث.
وإذا أردنا أن نفصل، لا بل أن نشرّح بدقة خلفيات وتداعيات ما تم فرضه على لبنان واللبنانيين حتى الآن لبات من الضروري أن نضع النقاط على الحروف برويّة وإمعان حتى نتبيّن جليّاً ماذا جرى ويجري على صعيد تراكمات الأوضاع والأحداث في البلد وارتباطها بالرقم ٥ بالتحديد.
ان القرار الذي اتخذته حكومة الرئيس نواف سلام المتعلق بحصرية السلاح في يد الدولة وحدها وجمعه من كل الأطراف قد اتخذ في الخامس من آب الماضي، فيما ان الخطة المدروسة بإتقان والتي شرحها قائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام الرئيسين عون وسلام وعدد من الوزراء خلال جلسة مجلس الوزراء قد تمّت في ٥ أيلول ٢٠٢٥، زدْ على ذلك ان المراحل التي تضمنتها تلك الخطة للتنفيذ تمتد على خمس مراحل دون زيادة أو نقصان، بدءاً من جنوب الليطاني مروراً بالأولي فبيروت ومن ثم البقاع والشمال وعلى امتداد كل الأراضي اللبنانية، أضف الى كل ذلك، أيضاً وأيضاً ان عدد الوزراء الشيعة الذين انسحبوا من تلك الجلسة لحظة دخول قائد الجيش إليها بعد مصافحته بلغ خمسة وزراء، ومع لفت النظر ان الوزراء الشيعة الخمسة قد شاركوا في حضور بداية الجلسة التي كان على جدول أعمالها خمسة بنود بما في ذلك بند جمع السلاح الذي لم يكن متوافقاً عليه من قبلهم وغادروا بعد إقرار البنود الأربعة الأولى.
وإذا ما أخذنا بعين الإعتبار ان العدو الإسرائيلي المتربص شرّاً بلبنان وباللبنانيين جميعاً يحتل خمس نقاط في جنوب لبنان، ناهيك بمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فإن المطالبة بإزالة الإحتلال عن كل شبر من أرض لبنان وتوقف العدوان الإسرائيلي اليومي والمتمادي على هذا البلد لكي يبسط الجيش اللبناني سلطته الشرعية عليها وحده كما على كافة الأراضي اللبنانية الأخرى دون منازع.
وبما ان الأوضاع قد آلت الى ما آلت إليه راهناً من خلال الوفود «الجرارة» الى لبنان لإجراء الاتصالات والمفاوضات مع المسؤولين والمعنيين في لبنان بشأن الأوضاع الخطيرة الراهنة، نشير أيضاً الى ان عدد أعضاء اللجنة الخماسية المكلفة الإشراف على تطبيق وقف اطلاق النار وكما يوضح اسمها هي على عدد أصابع اليد بالتحديد، كما لا بد أيضاً من التذكير ان الزيارات والجولات التي أجراها الوفد الأميركي الذي ضم الموفدين الأميركيين توماس باراك ومورغان أورتاغوس قد جرت على خمس مراحل متتالية حتى الآن، مع تقديم ورقة من هنا وورقة من هناك في محاولة منهم لإقناع الجانب اللبناني بالسير قدماً في ما يحملونه إليه من مقترحات.
ولهذا على كل مواطن لبناني أن يضع كف يده والأصابع الخمسة على قلبه ويناجي ربه خمس مرات في الليل والنهار لكي يزول هذا الخطر المحدّق بالوطن الحبيب لبنان وعن شعبه الطيب ولكي يبعد عنهم الكأس المرّ ونار الفتنة وشر الأعداء الذين يتربصون بلبنان على مدى ٢٥ ساعة متتالية وأكثر وليس ٢٤ فقط (مع المسامحة بالساعة الإضافية تلك) في محاولة دنيئة منهم لضرب الوحدة الوطنية في لبنان وإزكاء نار الفتنة فيه.
أما وقد سمعنا في الآونة الأخيرة تصريحات ومواقف تصدر من هنا وهناك تدعو لوضع حد للمهاترات والتشنجات السياسية والحزبية والدينية والمذهبية من كل الأطياف فلا بد للوصول الى مثل هذا الهدف من الإصغاء جيدا الى ما قاله الرئيس نبيه بري في كلمته الأخيرة في ٣١ آب الفائت وطالب به من خلال مسلّمات خمس تتلخص بضرورة عقد طاولة للحوار على أن يبقى الأهم إزالة العدوان والإحتلال الإسرائيلي عن لبنان ومن ثم البحث في سياسة استراتيجية دفاعية جامعة لكل اللبنانيين وأيضاً الإعتراض على التظاهرات في الشارع والتوافق على موضوع جمع السلاح من قبل الجيش اللبناني على كافة الأراضي اللبنانية.
يبقى أن نشير الى انه لو قُدّر للبنانيين أن يتخايلوا في ما بينهم، وبصورة افتراضية، إمكانية عقد طاولة للحوار لكان الحريّ بالمسؤولين أن تضم مثل تلك الطاولة خمسة مسؤولين رسميين هم كل من الرؤساء جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام ونائب رئيس المجلس النيابي إلياس بو صعب ونائب رئيس الحكومة طارق متري فيما تضم تلك الطاولة على الجانب الآخر خمسة من الفعاليات الحزبية هم النائب محمد رعد عن الثنائي وكل من السادة وليد جنبلاط وسمير جعجع وجبران باسيل وسامي الجميل على أن يكون الأهم من كل ذلك أن يجلس على طاولة الحوار تلك أيضاً أصحاب الخطب والتصريحات والمواقف النارية المتبادلة التي تصدح كل يوم جمعة وأحد من هنا وهناك والتي من شأنها أن تصب الزيت على النار في هذه الظروف البالغة الدقّة والخطورة من تاريخ لبنان بدلاً من إطفاء نار الفتنة التي باتت متأججة في قلوب وعقول ونفوس الكثير من اللبنانيين وهنا يكمن الخطر الأكبر على هذا الوطن وأهله بكل أطيافهم.
أما من هم المدعوون للمشاركة في طاولة الحوار تلك فهم من الذين نجلّ ونحترم كمقامات روحية ودينية عليها القيام بدور وطني بارز الآن وقبل فوات الآوان وهم كل من سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وغبطة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب ورئيس أساقفة بيروت للروم الأرثوذكس المطران إلياس عودة والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان على أن يبقى شيخ عقل الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى كنسمة خير بين جميع المتواجدين على تلك الطاولة لتفعيل منطق العقل والحكمة عندما يستدعي الأمر ذلك نظراً لما يتحلّى به من مواقف معتدلة ومتزنة اتخذها في معظم المواقف الوطنية والمصيرية ومع احترامنا المطلق لسائر ممثلي الطوائف والمذاهب الأخرى في لبنان من دون استثناء.
أخيراً، حفظ الله لبنان وحماه من كل أعدائه والمتربصين به شرّاً، وكل الأماني أن يبقى هذا الوطن سيداً حرّاً مستقلاً موحّداً ينعم بالأمن والأمان والاستقرار وأن ينهض من الضائقة الاقتصادية والمالية التي يعاني منها وأن يعود لكي يلعب دوره بين سائر دول العالم كما في السابق «وخمسة بعيون الشيطان».