بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 كانون الثاني 2026 12:05ص حرب المصطلحات بين واشنطن وطهران متى تنتقل إلى الميدان؟

حجم الخط
د. جيرار ديب

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن الولايات المتحدة ستقوم بـ«محو إيران من على وجه الأرض»، في حال تعرّضت لمحاولة اغتيال، وفق ما نقلت عنه شبكة «نيوز نيشن» الأربعاء 2 كانون الثاني الجاري.
ليست المرة الأولى التي يوجه ترامب اتهامات لمحاولة اغتياله للنظام الإيراني وأدواته رغم عدم اكتمال التحقيق. فالرجل، الذي نجا 13 تموز من عام 2014 من محاولة اغتيال تعرض لها أثناء تجمع انتخابي في ولاية بنسلفانيا، والثانية كانت في 14 أيلول من العام نفسه، من محاولة اغتيال أثناء لعب الغولف في نادي ترامب الدولي في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا، يعمل على توظيف هذه الأعمال بخدمة مشروعه في منطقة الشرق الأوسط.
قد لا يأتي حتى في مخيلة المتابع أن يقوم النظام الإيراني بتوظيف أشخاص لتنفيذ عملية اغتيال بحق رئيس أكبر دولة في العالم، فهذا حتماً ضرباً من الجنون، خصوصاً لأن عملية كهذه ستتحوّل مباشرة أصابع الاتهام إلى طهران وحرسها الثوري. لكنّ ماذا عنى ترامب بعبارة «اغتيالي»، فهل يتحدث هنا عن التصفية الجسدية؟ ربما ولكن الخلاف بين إيران وواشنطن يتعدّى الشخصانية، حتى لو وصف المرشد في إيران ترامب بـ«المجرم».
«اغتيالي» مصطلح يأخذ مروحة من التقديرات في طليعتها اغتيال مشروعه الجيوسياسي في المنطقة التي تفرض إيران عليها سطوتها مباشرة أم عبر وكلائها. هذا ما يعنيه ترامب، هو التهديد الحقيقي التي يمثله النظام الإيراني لمشروع ترامب في المنطقة. لم يستطع، على ما يبدو، النظام الإيراني من «تلقّف» الرسالة الترامبية التي أوصلها ترامب في تراجعه عن قرار ضرب إيران، في 14 كانون الثاني، عندما نامت المنطقة على اعتبار أن الطائرات الأميركية في طريقها لضرب إيران مساندة للمحتجين والمتظاهرين كما تمّ وعدهم، لتستيقظ على تصريح ترامبي صادم بأنّ طهران وافقت على عدم قتل المحتجين ولا إعدامهم.
يعتبر ترامب أنها فرصته المناسبة وقد تكون الأخيرة، لتطبيق صفقته في المنطقة، وإن ما بدأه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من تدمير ممنهج غزة، هو تمهيد أميركي لإعلان تدويل القطاع وتأسيس مجلس سلام يهدف إلى إقامة «نيو استعمار» بنسخته المعاصرة. فإقامة مشروع «ترامب الاقتصادي» الممتد من القطاع إلى جنوب لبنان وسوريا، يتطلب إضعاف إيران ووكلائها في المنطقة، أو في أحسن الأحوال اقتلاع النظام واستبداله بتظام أكثر «مطواعية» لقرارات البيت الأبيض.
لم تزل المرحلة التي تسبق الحرب بين أميركا وإيران تشهد على «تراشق» كلامي وإعلامي وتأخذ منحى التهديد والوعيد دون أن يكون لها ترجمة عملانية على أرض الواقع، سوى ما كشفته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الإثنين 19 كانون الثاني، عن إرسال الولايات المتحدة أكثر من 230 طائرة شحن، و20 سفينة محملة بالأسلحة لـ«إسرائيل» منذ 7 تشرين الأول 2023.
على موجة حرب المصطلحات، لعب الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، عندما شدّد على أن التعرض للمرشد الأعلى، «هو بمنزلة حرب شاملة، وصراع بلا حدود ضدّ الشعب الإيراني»، في منشور له على منصة «إكس».
من الضروري التوقف على هذا التوصيف الذي تعمّد بزشكيان استخدامه في الردّ على ترامب، فمصطلح «الحرب الشاملة»، يعني الصراع الذي يمتد إلى «الجيش والأسلحة التقليدية، الاقتصاد والبنية التحتية، للمجتمع المدني والمعنويات، الإعلام والدبلوماسية». فالذي أراد إيصاله بزشكيان بأن هذه الحرب إن وقعت لن تنتهي في الميدان، بل هي تهدف إلى استنزاف الخصم بشكل كامل، ليس فقط في ساحة الميدان. فخطورة إعلان الحرب الشاملة، لأنها ستحوّل كل مكونات الدولة إلى ساحة صراع، وتؤثر على المدنيين، وتغيير في قواعد الحرب التقليدية، ما يجعل النصر أو الهزيمة مسألة شاملة تتجاوز الجيش وحده.
«حرب قومية» اعتبرها بزشكيان، ومع دخول الحرب ساحة الميدان لن يتردد في وصفها بـ«الحرب المقدّسة»، حيث ستخرج الفتاوى الداعية لكل من ينتمي إلى هذه العقيدة الدينية بالجهاد ضد «أعداء الله». عندها ستتحوّل الحرب من شاملة إلى «صراع بلا حدود»، حيث من الطبيعي أن تحرّك إيران أذرعها في المنطقة، لضرب كافة أهداف واشنطن والتصويب على إسرائيل، في محاولة لممارسة المزيد من الضغط على إدارة ترامب لوقف العدوان.
«صراع بلا حدود»، مصطلح أخر توقف عنده الأميركي، وأخذه على محمل الجدّ، لهذا سارع في احتواء الصراع وضبط حدوده، فكانت بوليفيا الوجه الثانية لإدارة ترامب في مواجه التمدد الإيراني بعد فنزويلا. إذ طالبت إدارة ترامب السبت 24 كانون الثاني من الحكومة البوليفيا حظر أنشطة حزب الله وكل جماعة تنتمي إلى طهران على أراضيها.
كما بوليفيا كذلك في الداخل الأميركية، حيث حذّرت منظمة غير حكومية إيرانية - أميركية، من أن الولايات المتحدة تعتزم ترحيل مهاجرين إيرانيين إلى بلادهم قريبًا. تحذير هذه الجمعية يأتي من باب الحرص على حياة المهجّرين قسراً على اعتبار أن من بينهم مثليين جنسيا ومعارضين للنظام ما يعرض حياتهم للقتل، بينما تجد واجد أن تهجيرهم يعني إبعاد خطر النظام من تخطي الحدود ليطال العمق الأميركي عبر أعمال شغب وترويع الناس.
وفي سياق تطويق إيران وضرب نفوذها في العالم والمنطقة قد تكون الخطوة التي ستسبق أي عملية عسكرية على النظام داخل إيران. لهذا فإن هناك ملفات جوهرية تعمل واشنطن على إنهائها منها سحب سلاح الحزب من لبنان، وعدم السماح لنور المالكي أو أي شخصية مقرّبة من إيران لاستلام السلطة في العراق، وإنهاء قضية قسد في سوريا ليتمكن الرئيس أحمد الشرع من فرض الاستقرار.
هذا ما تخطط إليه إدارة ترامب رغم التحشيد العسكري غير المسبوق في المنطقة، لكنّ يبقى لعنصر المفاجئة دوره من قبل إيران ووكلائها، ليطرح السؤال «هل إن كلمة أمين عام حزب الله نعيم قاسم من إن حزبه بات متلفتاً من أي التزامات دلالة على فتح الحزب الحرب ومباغتة إسرائيل وتوريط أميركي في حرب استباقية لم تكن في الحسبان؟».