على الرغم من كل الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية لتثبيت اتفاق وقف الحرب في غزة، سواءٌ عبر الضغط المباشر للجم جموح نتنياهو، أو من خلال التهديد الصارم لحركة حماس في حال عدم التزامها ببنود الاتفاق، وأحياناً عبر إغراء الطرفين بجزرة الاستقرار وإعادة الإعمار في حال نجاح التسوية، إلا أن الوضع في غزة ما زال هشاً، تسوده الضبابية والغموض بشأن مستقبل الصراع، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي بمحاولاته ضمّ الضفة الغربية والقضاء على أبسط مقومات الدولة الفلسطينية.
أما على الجبهة اللبنانية، فالوضع ليس أفضل حالاً. فالعدوان الإسرائيلي لم يتوقف، بل ازدادت وتيرة غاراته على قرى الجنوب والبقاع، لا سيما تزامناً مع زيارة رئيس لجنة «الميكانيزم»، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي استمراره في استهداف البنية التحتية لحزب الله ومحاولاته لإعادة ترميم قدراته العسكرية. هذه التطورات تشي بتنسيق كامل بين واشنطن وتل أبيب، في إطار سياسة مشتركة تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، مع توفير الولايات المتحدة الغطاء السياسي للآلة العسكرية الإسرائيلية في مسعاها لإنهاء الدور العسكري للحزب في الداخل اللبناني والمنطقة.
في المقابل، تتكثف الجهود المحلية والإقليمية لإحداث اختراق في الجدار الفاصل بين حزب الله وشركائه في الوطن، الذين يخالفونه الرؤية حول سبل الخروج من حلقة المراوحة القاتلة، التي تعطل إطلاق المساعدات المخصصة لإعادة الإعمار وعودة الدورة الاقتصادية إلى طبيعتها.
وعلى الرغم من تمسُّك الحزب بخطاب تصعيدي مرتفع النبرة، إلا أن أصواتاً داخلية بدأت ترتفع مطالبةً بإعادة تقييم واقعية، تمهّد لظهور وجوه جديدة تعبّر عن تطلعات شريحة واسعة من جمهوره المنهك، وتكون أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية بإدارة المرحلة المقبلة.
ورغم بعض الشوائب في الأداء، إلا أن وزراء «الثنائي الشيعي» في الحكومة الحالية أثبتوا كفاءة وانفتاحاً في التواصل مع مختلف الأطراف، ما يجعل تجربتهم قاعدة يمكن البناء عليها لانتقال تدريجي من العسكر إلى السياسة، بما يتماهى مع التحولات الإقليمية من سوريا مروراً بغزة وصولاً إلى لبنان.
ويبقى السؤال: هل يُقدم حزب الله على هذه المراجعة الإصلاحية في رؤيته ودوره، أم أن قرار التحوّل لا يزال رهن كلمة السر الخارجية؟ وهل يتحمّل الحزب مسؤولية ما آلت إليه البلاد، في ظل التحذيرات الأميركية من استمرار احتكار قرار السلم والحرب؟ إن الجروح بدأت تبرد، والواقع بات أكثر وضوحاً، ما يستدعي خطوات حكيمة تعيد التوازن وتحمي لبنان من فتنة الداخل وعدوان الخارج.
في النهاية «إن أعظم شجاعةٍ سياسية ليست في التمسك بالموقف حتى النهاية، بل في إدراك اللحظة التي يجب فيها التراجع لإعادة اكتشاف الطريق» حسب نيقولا ميكيلفيللي.