لنعترف مسبقا أن أصل البلاء هو الإنسياق وراء المكاسب، بلا حسابات علمية، وبلا حسابات وطنية وإنسانية وقومية. نذهب فقط إلى السوق، نقف فيها، ونزايد على بعضنا، تحت عنوان واحد هو الربحية الشخصية، وكذلك تحت عنوان المكاسب التي تعود على أصحاب السوق بالمنافع المادية والمعنوية.
طيلة القرون الماضية، كنا نتعامل مع جميع القضايا التي تقع لنا، فقط بروحية حسابات السوق. فما يقع في جيوبنا، هو الأساس الذي يوجّهنا ويوجّه إرادتنا. ونصير عبيد المكاسب النفعية التي تصبّ في مصالحنا الشخصية.
كانت عقولنا مشغولة بما يصبّ في جيوبنا، حتى كدنا أن نتجند للمؤامرات بحفنة من الدراهم، دون وعي منا للأضرار وللخسائر التي تلحق بنا في مجتمعاتنا وفي أوطاننا.
ذهبت بنا ريح حسابات السوق وروحيتها، حتى كدنا أن ندمر حياتنا أنفسنا بأنفسنا. كانت أنظارنا لا ترى إلّا ما يقع في جيوبنا، دون أن نحسب حسابا للأطماع التي تجري حولنا. فلم نستطع أن نبني دولة، ولا أن نبني مجتمعا، ولا أن نبني مؤسسة، لأن حساباتنا كانت بحساب الإنتفاع الشخصي للمرء الذي ينظر في جيبه وفي جعبته وفي خزانته.. حتى ضاعت البلاد منا، وتهنا في الجهات التي إنفتحت علينا. ولم نهتدِ بعد إلى صوابنا.
ما عرفنا الإجابة على الأسئلة الوطنية ولا على الأسئلة القومية ولا حتى على الأسئلة الإنسانية، التي تتحوطنا وتحيق بل تحدق بنا. لم ندرك منذ الأساس، أن الوطن أحق منا، وأن الهدف القومي، هو الذي يجب أن نحافظ عليه، ونجعل منه قلعة لنا. وأن الإنسانية هي ألفباء حياتنا، فلا عيش لنا خارج الأهداف الإنسانية، لأن من يضحّي بالأهداف الإنسانية، كمن يضحّي بنفسه. فالحجر الأساس لبناء لبنان - المجتمع، هو أن يعي كل منا دوره الإنساني، في المحافظة على فكرة التعاضد الإنساني، الذي يقوّي بناء المجتمعات الإنسانية.
كانت حسابات السوق جارية على بعض من تولّى منا الشأن العام، أو أوكلت له رئاسة، أو تسنّم وزارة، أو تسلّم إدارة. كان معظم هؤلاء متعاونا مع من يلوح له بمبلغ مالي، يضعه في جيبه الخاص. ولهذا كنا نرى كيف يتنازل بعض زعمائنا وبعض ورؤسائنا، وبعض وجهائنا عن أرض الوطن، وعن تهريبة من هنا، وتهريبة من هناك، وعن عقار عام، وعن طريق عام، وعن نهر وضفة نهر، وعن بحر، وعن شاطئ بحر. فتجري الصفقات، بين الوجوه الصفيقة، حتى لم يعد لنا حق معلوم للسائل والمحروم.
كان بعض القادة والزعماء، يسهّلون الجرائم الوطنية، ويسهّلون الجرائم العقارية. وكذا يرسلون الأتباع والمحاسيب، لتنفيذ الإغتيالات، بحق الشرفاء والوطنيين الذين ترفع لهم القبعات. كانوا لا يتورعون عن بيع الأرض والعرض في سوق النخاسات، وكأن المطلوب عندهم، فقط بعض الدريهمات، في حساباتهم في البنوك. وهيهات هيهات، أن يقفوا موقفا مشرفا، إلّا ضمن أجندة حسابات السوق.
كانت خيانة كلمات النشيد الوطني اللبناني، من أسهل ما تكون على هؤلاء، وكذلك خرق الدستور، وإستباحة القوانين، وحرق الصيغة، وذر رمادها في العيون. كان هؤلاء الوطنيون المزيفون، لا يتورعون عن المتاجرة بالمبادئ، ولا عن بيعها في سوق المزادات. يغيرون في حروب أهلية تحت الطلب، ويغيرون في حروب خاسرة مع الأعداء، ويسلّمونهم تراب الآباء والأجداد. يسلّمونهم المزارع والقرى، وكذا الشريط الحدودي. يندفعون إلى الأمام، لجرّ الناس والبلاد إلى الوراء. كان ذلك ديدنهم، طيلة الدهور، حتى بات الوطن كله، في عين العاصفة.
ما عرف هؤلاء الطريق لبناء الدولة طيلة حياتهم، فنشأت على أيديهم: المارونية السياسية والسنية السياسية، والشيعية السياسية. فضلوا الطريق إلى الدولة الحقيقية، كما في سائر البلدان، وفي سائر الأوطان. وكانت الأعوام تطوى، كما الأرض والناس، على مزيد من الخسارة والنقص، حتى بات لبنان من أقصاه إلى أقصاه، وطن الخسارة والنقصان.
بلادنا لم تجرؤ بعد على محاسبة من إستجرّها إلى الحروب الأهلية، والتي ذاقت منها الويلات. ولم تجرؤ أيضا على محاسبة من إستجرّها إلى حروب إقليمية، فكان الثمن الخسارة العظمى، التي ما ذقنا مثلها، لا في التاريخ القديم ولا الحديث. كان المندفعون فيها، لا ينظرون ورائهم، ولا يقيمون أي إعتبار للخسائر. يشبعون الناس الخطابات والبطولات، ثم يأتي الأعداء للحصاد، تتراكم علينا الخسائر جيلا وراء جيل، حتى باتت أرضنا محروقة، وسماؤنا مكشوفة، وأبناؤنا في المهاجر. وأما الحدود، فلم تعد لنا حدود.
حسابات السوق أهلكت البلاد، وشتت العباد. فهل من يرعوي بعد، وينظر فيما يجب علينا عمله، لبناء الدولة، خارج حسابات الجيوب، فنرتدع عن بيع الأراضي للمخيمات، وعن التساهل مع الأعداء... وتسهيل اللجوء...