شكّلت الضربة الإسرائيلية الأخيرة على العاصمة القطرية الدوحة، صدمة لدى الدول الخليجية جعلت من الضروري بالنسبة إليها التفكّر في حماية أمنها الوطني الذي لا يتجزأ.
لطالما شكّل الدرع الأميركي غطاء حماية الى حد كبير للخليج. لكن الحال ان الخليجيين تفاجأوا بالمدى الذي ذهب إليه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في ضرب العاصمة الخليجية للمرة الأولى ثم إعلان ذلك بكل فخر وتحمّل مسؤوليته باعتزاز بغض النظر عن تحقيقه أهدافه.
من الواضح ان رئيس أكثر الحكومات الإسرائيلية يمينية منذ إعلان الدولة العبرية، قد عقد العزم على الذهاب الى أبعد الحدود بعد زلزال السابع من أكتوبر لصياغة نظام إقليمي مغاير لما مضى، يتجاهل التوازنات السابقة تماما.
وهو شرع في حروبه التي لن تنتهي والتي تحميه من محاكماته الداخلية قبل الانتخابات الداخلية المقررة بعد نيف وعام من الآن، ومن الممكن تقريب زمانها. وذلك بغطاء ايديولوجي ليصوّر نفسه داعية لرسالة يهودية تاريخية. وبغض النظر عما إذا كان الرجل يصدق نفسه فعلا في هذه المهمة الربانية، فإنه يجتذب بها جمهور اليمين المتطرف، فيما يعلم بأن الانتخابات لو أجريت اليوم فإنه لن يعود الى سدة رئاسة الوزراء.
في المقلب الآخر، وبينما تمرّ الذكرى الخامسة على «إتفاقيات أبراهام» بين إسرائيل وبعض الدول العربية وأهمها الإمارات العربية المتحدة، يبدو ان مسار السلام طُوي مع هذه الحكومة الإسرائيلية التي ينتظر الجميع نهايتها.
ومع الضربة على الدوحة، ولو انها استهدفت حركة «حماس»، فإنها استجلبت غضبا خليجيا ومراجعة وموقفا موحّدا خرجت به القمة العربية الإسلامية في الدوحة التي أدانت الهجوم الإسرائيلي بشدّة ودعت الى مراجعة العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية مع الدولة العبرية.
فقد هاجمت إسرائيل دولة ذات سيادة، حليفة للولايات المتحدة الأميركية وفيها القاعدة الأميركية الكبرى في المنطقة، علما ان الضربة جاءت بعد أشهر قليلة على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للخليج ولتلك الدولة ذات التقاطعات الكبرى التي تعوّل واشنطن عليها.
والدوحة ليست في حالة حرب مع إسرائيل، بل من أوائل المطبّعين معها (ولو انها لم تنضم الى الاتفاقيات الابراهيمية)، رغم لغتها الديبلوماسية الحادّة أحيانا تجاه الدولة العبرية. وهي كانت الوسيط الرئيسي والجديّ في محادثات وقف إطلاق النار والرهائن، وواحدة من القنوات القليلة التي كانت لا تزال مفتوحة بمستوياتها الكبرى.
ومع تلك الصدمة الجامعة، اتضح ان تلك الدول، تولي أمنها الأولوية كونه لا يتجزأ، فرغم معاداة بعضها لحركة «الإخوان المسلمون» التي ولدت «حماس» من رحمها، إلّا أن تخطي نتنياهو للخطوط الحمراء لن يُسمح له بأن يصبح سابقة.
ومع تمادي الأخير في حربه في غزة ونيّته ضم أجزاء من الضفة الغربية الذي يرفضه الخليجيون بشدّة، بات الأخيرون في حرب غير معلنة مع الرجل وفي حلٍ اليوم من أي حل أو تسوية معه.
وفي مواجهة ذلك فهم قد يشرعون في تعزيز استقرارهم الدقيق الذي يحفظ لهم أجندات طموحة للتنمية الاقتصادية عمادها الاستقرار الإقليمي الذي يمثل ضرورة استراتيجية مشتركة. وهم يملكون ورقة الضغط بأدوات ديبلوماسية واقتصادية، على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإقناعه بالضغط على إسرائيل لوقف سلوكها. فمن الواضح بأن فشل واشنطن في الدفاع عن أحد أهم حلفائها في المنطقة يمكن أن يجعل ضماناتها الأمنية بلا معنى، ويجعل الشراكة مع أقطاب عالمية أخرى واردة.
لذا من الممكن أن تعمل تلك الدول داخليا على تعزيز التنسيق الدفاعي داخل مجلس التعاون الخليجي وإحياء طموحات إطار أمني أكثر استقلالية، وتفعيل عملية بناء صناعات أسلحة محلية، مع تنويع الموردين، وتقليل الاعتماد على الالتزامات الأمنية الأميركية. مثل هذه الخطوات يمكن أن تشجع أيضا على تطوير هيكل دفاعي أكثر تماسكا لمجلس التعاون الخليجي مع توسيع الشراكات الاستراتيجية الخارجية كما فعلت السعودية مع وباكستان.
في هذه الأثناء برزت مساعي التقارب الإيراني - السعودي ومحاولات فتح صفحة جديدة.
والحال ان طهران لن ترفع الراية البيضاء في مفاوضاتها مع الأميركيين، وفي زمن الحروب عادة ما يتشدّد الإيرانيون ويرفعون السقف في الوقت الذي يتوقعون فيه أية ضربة.
تأتي محاولات التقارب الإيرانية ومن قبل «حزب الله» في لبنان، مع الرياض في هذا الإطار، لرأب الصدع ولمحاولة تشكيل رؤية واحدة تحفظ الاستقرار الذي تريده السعودية.
وستكون ورقة قوة مدروسة في يد السعودية، الشقيقة الأم للدول الخليجية، التي تعمل على أكثر من خط إقليمي كما هو دورها في تخفيف الاحتقان على الجبهة السورية - الإيرانية الباردة بغطاء ورعاية تركيين، في إطار تفاهمات أخرى تحفظ استقرار المنطقة وتبعدها عن الحروب هي آخر ما يريده حكام وشعوب هذه البقعة من العالم.
.. في هذه الأثناء تراهن دول الخليج على وصول شريك إسرائيلي يضع حدّا للحرب في غزة ويتخلّى عن خطط الضم في الضفة ويختم حروب إسرائيل في الخارج، كنقطة بداية لتسوية صعبة لما بعد الحرب في القطاع وعملية إعادة اعمار سيكون للعرب دورهم البارز فيها. حينها قد يبدأ حديث آخر..