يُصدق القول: «موتُ العالِم ثُلمةٌ في الإسلام لا يسُدّها شيءٌ إلى يوم القيامة»، وإن كان هذا القول في العلماء، فإنّ رحيل رجلٍ من طينةِ الأستاذ «حسن الرفاعي» هو أيضاً ثلمةٌ في جدارِ العدالة والقانون والسياسة معاً. فقد كان قامةً سامقةً تجمع بين ثقافةِ العالِم، ورصانة رجل الدولة، والوفيّ الحبيب حيث الوفاء أصبح نادراً. برحيله، لا نفتقد شخصاً عزيزاً فحسب، بل نفقدُ إنساناً تاريخياً حافلاً بالعطاء الوطني، وتجربةً نادرةً في النزاهة والاستقامة، ووجهاً مضيئاً في ساحات القضاء والسياسة.
لقد عرفتُه زميلاً في ساحات القضاء. كان إنساناً نادراً، تفيض شخصيته صدقاً وتواضعاً ووفاءً. يجمع بين الحزم واللين، بين الجرأة والرفق، وبين الوطنية العميقة والإنسانية الصافية. كان قريباً من الناس، يشعر بآلامهم، ويعمل من أجل قضاياهم دون كللٍ أو مللٍ. لم تُغره المناصب التي تقلّدها، ولم تُغيّر فيه الألقاب شيئاً، بل ظلّ «حسن الرفاعي» هو ذاته: الرجل الذي يرى في الخدمة العامة تكليفاً ومسؤولية، لا وسيلة للجاه أو النفوذ.
وفي ميدان المحاماة، كان مثالاً يُحتذى به. مارس المهنة ليس باعتبارها وسيلة عيش فحسب، بل كرسالة مقدّسة للدفاع عن المظلومين وصون الحقوق والحريات. كان يقف أمام القضاء ثابتاً كالجبل، لا يرهبه خصم قوي ولا يغريه موقع نافذ، بل كان لسان الحق وحارس العدالة. وقد علّمنا، نحن زملائه، أنّ المحامي لا يُدافع فقط عن موكله، بل يدافع عن العدالة ذاتها، وأنّ كل مرافعة شريفة إنما تُسهم في بناء صرح سيادة القانون.
وعندما ساقه القدر إلى مقاعد النيابة، لم يتبدّل ولم يتراجع. كان نائباً عن الشعب بكل ما للكلمة من معنى. جسّد أسمى صور النيابة العامة، إذ لم يتخذها يوماً مطية لمصالحه الخاصة، بل جعل منها منبراً للدفاع عن الحرية والكرامة وسيادة القانون. لم يساوم على المبادئ، ولم يخضع لضغوط، وكان صوته صريحاً واضحاً يجلجل في وجه الفساد، ويقف بشجاعة ضد الاستبداد. لقد كان، بحق، ضميراً حيّاً للأمة وصوتاً حرّاً داخل البرلمان.
وفي الوزارة، ارتقى «حسن الرفاعي» إلى مستوى رجل الدولة المسؤول. أدرك أنّ المنصب ليس للتفاخر، بل للتضحية وخدمة الوطن. فكان نموذجاً نادراً في النزاهة والاستقامة، يُنجز عمله بجدّ وإخلاص، ويجعل المصلحة العامة فوق أي اعتبار. ترك بصماتٍ واضحة في الإدارة والسياسة، وأثبت أنّ العمل الوزاري يمكن أن يكون شريفاً إذا تولّاه من يؤمن أنّ خدمة الوطن عبادة وواجب.
لقد كان رجل مواقف، لا تغيّره الظروف ولا تشتريه الإغراءات. ثابتاً على مبادئه، وفيّاً لقناعاته، عاش مؤمناً أنّ الحرية والعدالة وسيادة القانون هي ركائز لا تقوم الدولة من دونها. وبرحيله، نخسر مدرسةً في النزاهة والوفاء، ونفتقد صديقاً وأخاً وزميلاً سيبقى حاضراً في قلوبنا، وستبقى سيرته نبراساً يُضيء دروب الأجيال القادمة.
ويحسن الختام بقول الشاعر: «قد مات قومٌ وما ماتت مكارمهم... وعاش قومٌ وهم في الناس أموات».
فرحمةُ الله عليك يا حسن، أيها الصديق الوفيّ الذي لم يعرف الغدر يوماً، والمحامي النبيل الذي جعل من رسالته ميداناً للحق والعدالة، والوطني الصادق الذي ظلّ وفيًّا لوطنه في القول والعمل. لقد تركتَ فينا فراغاً كبيراً لا يُسدّ، وألماً عميقاً لا يزول، لكنك في المقابل أورثتنا إرثاً خالداً من القِيَم السامية، والمواقف المشرفة، والمبادئ التي لا تموت. سيبقى اسمك حاضراً في الضمائر، وسيرتك العطرة نبراساً للأجيال، وشهادتك في الحياة عنواناً على معنى الالتزام والوفاء. فهنيئاً لك بما قدّمت، وجعل الله مثواك جنات النعيم، حيث لا وجع ولا ألم، بل سلامٌ ورحمة ورضوان.
* أمين عام إتحاد المحامين العرب (سابقاً)