د. جيرار ديب
أكد البيان الوزاري الصادر عن مجلس الوزراء اللبناني في 5 أيلول الجاري، على «تمسّك الحكومة الثابت بتحقيق الأمن والاستقرار على حدودها الجنوبية، وبسط سيادتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وجعل قرار الحرب والسلم في عهدة المؤسسات اللبنانية».
أتى هذا البيان استكمالاً للبيانات السابقة للحكومة التي صدرت في 5 و 7 آب الجاري، التي أكدت على حصرية السلاح في يد الشرعية اللبنانية، مدخلًة البلاد في جدل بيزنطي أحدث حالة من الانقسام العامودي، بين الأطراف المكوّنة للبنان. ففي حين تمسّك الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) بموضوع السلاح على اعتبار أنه حامي لبنان ورادع للعدو الإسرائيلي من أي مغامرة جديدة. كان الفريق الحكومي الرئاسي وينضم إليهما الأحزاب المسيحية والسنية والحزب التقدمي الاشتراكي والمراجع الدينية السنية والمسيحية والدرزية المناشدة في ضرورة قيام الدولة وحصرية السلاح.
إن وسّع المراقب من دائرة التطلّعات يجد أن قضية السلاح وتسليمه للدولة في لبنان دخل في بازار الصدام الإقليمي، وإن زيارات المسؤولين الأميركيين على رأسهم المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، توم باراك، ومساعدته للشؤون اللبنانية مورغان أورتاغوس، قد حسمت موقفها في شأن تسليم السلاح، وذهبت بعيداً في هذا الحسم على اعتبار أن لا ضمانات للبنان من حرب إسرائيل جديدة إن لم يسلّم الحزب السلاح. وأكثر من هذا حمّل وزير الحرب الإسرائيلي بتسرائيل كاتس الدولة اللبنانية فشل تنفيذ بنود القرار رقم 1701، هذا يعني أن الحرب المقبلة لن توفر فيها إسرائيل المقرات والمؤسسات والمرافق الحيوية للبنان.
الموقف المتشدّد لواشنطن، يقابله موقفاً خليجياً وعربياً أكثر ليونة ولكنه يطالب أيضاً بتسليم السلاح على اعتبار أن نهوض الدولة لن يكون في ضوء وجود السلاح غير الشرعي. لهذا بات الحزب وبيئته الحاضنة على دراية أن إعادة الإعمار باتت مسألة معقّدة وتحتاج إلى وقت طويل للتنفيذ لو إن هناك دوائر قريبة من الحزب سرّبت خطته الإعمار على اعتبار إن الحزب رصد لها ميزانية فاقت المليار دولار، لكنّ هذا يبقى حبر على ورق ما لم يدخل إلى آلية التنفيذ.
من جهة تواجهه الحكومة اللبنانية ضغطاً أميركياً وتمنيات عربية لدرجة الإصرار للوضع جدول زمني لسحب السلاح، مقابل الإفراج عن المساعدات الغربية والعربية التي تصب في خانة بناء الدولة وشطب ديونها الخارجية. لكنّ الحكومة أيضاً تواجه ضغطاً داخلياً متمثل بالتلويح المستمر من قبل الحزب بسحب وزرائه من الحكومة، وأفقداها الميثاقية، مع الاستعراضات الشبه يومية التي يقودها الحزب تحت عنوان «موتوسيكلات» الشيعة التي تجوب شوارع الضاحية وبعض المناطق اللبنانية منذرة بإحداث نزاع مسلح قد يفتح من جديد الحرب الأهلية.
لم تكن الزيارة التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، منتصف آب الماضي إلى بيروت، دبلوماسية رغم أنها التقى فيها المسؤولين الثلاثة في الدولة اللبنانية، ورغم إنه سمع من رئيسي الجمهورية والحكومة تأكيداً لبنانياً على رفض التدخّل في الشأن الداخلي. لكنّ لاريجاني أتى حاملاً ضمانات ليس للدولة، ولا للثنائي الشيعي، بل للحزب تحديداً على إن إيران مستمرة في تأمين الدعم المالي واللوجيستي له في هذه المرحلة كي لا تنقلب البيئة الحاضنة عليه، هي التي أنهكتها الحرب، لدرجة أنّك بتّ تسمع رفضهم لتكرارها. فلاريجاني قبل الزيارة إلى بيروت كان أيضاً في بغداد يحادث الحكومة هناك على ضرورة الابتعاد عن سحب سلاح في هذه المرحلة بحجة العدو الاسرائيلي وأطماعه، لكنّ أهداف الزيارة كانت واضحة من خلال إعادة بناء الدوائر الدفاعية في المنطقة لديه، لأن ترجيح حرب ثانية مع إسرائيل ارتفعت حظوظها وهذه المرة مصرّة إيران على ان لا تخوضها وحيدة بعدما فشلت في ضم كل من روسيا والصين إلى معسكرها في حرب الـ12 يوما مع العدو في حزيران الماضي.
نبالغ إن توقفنا عند الخطة التي قدّمها قائد الجيش، رودولف هيكل، والتي وافقت عليها الحكومة مجتمعة بعد انسحاب وزراء الشيعة بأنّها سحب فتيل الحرب رغم أنها حاكت هواجس الحزب من خلال عدم تحديد المدة الزمنية، ونالت رضا أميركياً تمثل في اتخاذ قرار لأول منذ أكثر من 35 عاماً لم تأخذه أي حكومة في لبنان. فالخطة أعطت مساحة إضافية من الوقت بدل عن الضائع، فالحرب حتمية ولكنها مؤجلة بعض الشيء على الأقل إلى ما بعد حرب غزة والنتائج المنتظرة من «عربات جدعون 2».
بعيداً عن لعبة التعقيدات الداخلية والضغوط الخارجية، يدخل سحب السلاح في دائرة الحملات الانتخابية، إذ يتحضّر لبنان إلى جولة جديدة من الاستحقاق النيابي، حيث من المفترض أن يحمل أيار 2026 انتخابات نيابية مصيرية، لإعادة بناء الكتل والتكتلات النيابية داخل أروقة المجلس. فالتصعيد في الموقف يساعد في التعبئة الجماهيرية لكلا الطرفين، إذ يحتاج الحزب إلى تعبئة جماهيرية لبيئته الحاضنة، لهذا يجد في رفع مستوى الخطاب السياسي يغذّي غريزة الوجود والتمسّك أكثر بالسلاح الذي عليه أن يواجه به الخطر من الجبهة الجنوبية والشرقية على الحدود مع سوريا.
في الوقت الذي يدفع الحزب مناصريه بعد كل جلسة وزارية إلى الشارع لرفع المعنويات، تجد الأحزاب المسيحية على رأسها حزب القوات اللبنانية والكتائب ترفع مستوى الهجوم على سلاح الحزب لتعزيز الاستثمار في البيئة المسيحية كما السنية في ظل غياب جديّ للزعامة السنية.
«تسليم السلاح»، خرج من الجدلية الداخلية، ليحمل أبعاداً مختلفة لعناوين هي أبعد من حماية لبنان، إذ يحتاج الحزب إلى اللعب في الوقت بدل عن الضائع في ظلّ تغييرات أممية بدأت تشهدها الساحة الدولية، مع التموضع الجديد للدول تحت رعاية صينية. لقد حملت قمة شنغهاي الاقتصادية التي انعقدت في مدينة تانيجين الصينية، مطلع شهر أيلول الجاري والذي ختمه الرئيس الصيني شي جين بينغ، بعرض عسكري هو الأكبر في تاريخ الصين، حيث وجّه شي رسالة واضحة حول عدم مقدرة الآخر من الوقوف في وجه الصعود الصيني كقوة مركزية وعالمية.
لا يجد الإيراني وخلفه حزب الله أنه في مرحلة عليه تقديم التنازلات رغم النكسات التي لحقت بالمحور بعد السابع من تشرين الأول عام 2023. لهذا هو يناور الحكومة اللبنانية على أمل أن تتجلّى الصورة لما بعد حرب غزة ولجدّية الصين في احتضان إيران ومحوريها بعدما طلب ذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في القمة. فوسط حالة الانتظار الذي يعيشه المحور، لن يقدم الحزب على سحب وزرائه من الحكومة، ولن ينجرّ إلى توتير للساحة الداخلية، بل سينتظر ويرى ما ستؤول إليه التطورات، ولكن هل سيؤمّن الداخل والخارج هذا الوقت؟