بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 كانون الثاني 2026 12:05ص حلم الدولة الكردية في سوريا: بين مبدأ تقرير المصير وقيود الواقعية السياسية

حجم الخط
د. رشا أبو حيدر

لم يكن الطموح الكردي نحو كيان سياسي مستقل ظاهرة طارئة فرضتها تحوّلات العقد الأخير، بل هو امتداد لمسار تاريخي طويل لشعب وجد نفسه، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، موزّعاً بين دول لم يشارك في صياغة حدودها، وخاضعاً لأنظمة لم تعترف بخصوصيته القومية على نحو متكافئ. غير أنّ هذا الطموح، على الرغم من مشروعيته من زاوية الهوية والذاكرة الجماعية، ظل يصطدم بعقبات بنيوية في النظام الدولي، حيث تتقدّم اعتبارات السيادة والاستقرار الإقليمي على عدالة المطالب القومية.
في الحالة السورية، برز المشروع الكردي بوضوح مع اندلاع النزاع المسلح عام 2011، حين أتاح الفراغ السلطوي في شمال البلاد نشوء واقع إداري وأمني جديد تقوده قوى كردية محلية. وقد جرى تأطير هذا الواقع سياسياً ضمن خطاب «تقرير المصير»، غير أنّ هذا المفهوم، رغم جاذبيته الخطابية، بقي إشكالياً من الناحية القانونية، إذ لم يتحوّل إلى مسار معترف به دولياً، بل ظل مرتبطاً بظروف الحرب واختلال موازين القوى.
ان مبدأ تقرير المصير في القانون الدولي لا يُعدّ حقاً مطلقاً في الانفصال، بل منظومة متدرجة من الحقوق تبدأ بالمشاركة السياسية والحكم المحلي واللامركزية داخل الدولة القائمة. أما الانفصال، فلا يُقرّ به إلّا في حالات استثنائية ضيقة، ارتبطت تاريخياً بسياق تصفية الاستعمار أو بوجود إنكار شامل وممنهج للحقوق السياسية والقانونية لشعب معيّن. وبالنظر إلى هذه المعايير، لم تُصنَّف المناطق الكردية في سوريا يوماً ضمن أقاليم خاضعة للاستعمار، كما لم يصدر أي موقف دولي يمنحها وضعاً قانونياً خاصاً يبرّر الانفصال.
بلغ الرهان الكردي ذروته مع الدعم الأميركي للقوى الكردية في سياق الحرب على تنظيم «داعش». غير أنّ هذا الدعم، رغم ثقله العسكري واللوجستي، لم يُترجم إلى التزام سياسي طويل الأمد. فقد تعاملت واشنطن مع الشريك الكردي بوصفه أداة وظيفية في معركة محددة، لا مشروع دولة قابل للحياة. ومع بدء تبلور التفاهمات الإقليمية والدولية حول مستقبل سوريا، عادت المقاربة الأميركية إلى ثوابتها التقليدية القائمة على الحفاظ على وحدة الدولة السورية، وتجنّب أي مسار قد يفتح باب إعادة رسم الحدود في المنطقة.
وتزداد دلالة هذا التحوّل عند مقارنته بتجارب كردية أخرى في الإقليم. ففي العراق، جاء الاعتراف بإقليم كردستان نتيجة مسار طويل من الحماية الدولية، وتُوّج بدستور 2005 الذي أقرّ الفدرالية ومنح الإقليم وضعاً دستورياً واضحاً. ومع ذلك، لم يتحوّل هذا الاعتراف إلى قبول دولي بالاستقلال، كما ظهر جليّاً في الرفض الحاسم لاستفتاء عام 2017. أما في تركيا، فقد حُوصرت المسألة الكردية داخل إطار دستوري وأمني صارم، أقفل الباب أمام أي مسار قانوني لتقرير المصير، وحصرها ضمن حدود الإنكار السياسي.
في المقابل، تبدو الحالة السورية الأضعف من حيث الأساس القانوني. فالواقع الكردي فيها نشأ بحكم الأمر الواقع لا بحكم النص، واستند إلى دعم خارجي ظرفي لم يتحول إلى اعتراف أو ضمانة. ومع تغيّر موازين القوى، تبيّنت هشاشة هذا الواقع وسرعة تآكله مع أول تسوية إقليمية جديّة.
وتعكس سياسات «قسد» في إدارة مناطق نفوذها هذه الإشكالية بوضوح، لا سيما من خلال إغلاق المعابر وخطوط التماس مع دمشق. فهذه الخطوة، وإن حملت بُعداً أمنياً، تنطوي على دلالات سياسية وقانونية أعمق، إذ تُشكّل محاولة لإدارة فضاء جغرافي منفصل عن الدولة المركزية، من دون امتلاك مقومات الاستقلال القانونية أو الاقتصادية. ومن منظور القانون الدولي، تمثّل هذه الممارسة سلطة أمر واقع لا ترتقي إلى مستوى الشرعية، وتزيد من عزلة المناطق الخاضعة لها، وتُضعف قدرتها على الصمود في غياب اعتراف أو تسوية داخلية.
سياسياً، يندرج هذا الإغلاق ضمن منطق المساومة، لكنه يضع «قسد» أمام خيارات محدودة: إما الانخراط في تفاوض مع دمشق ضمن إطار يعترف بسيادة الدولة ويعيد دمج المناطق الكردية في دورة الاقتصاد الوطني، أو الاستمرار في عزلة تُسرّع تآكل المكاسب الميدانية، خصوصاً في ظل تراجع الدعم الأميركي.
إن تراجع حلم الدولة الكردية في سوريا لا يعني إنكار الحقوق الكردية أو التقليل من مظلوميات تاريخية حقيقية، بل يكشف حدود الرهان على الخارج، وحدود تحويل الوقائع العسكرية المؤقتة إلى مكاسب سياسية دائمة. فالقانون الدولي لا يحمي المشاريع غير المتوافق عليها، والسياسة الدولية لا تكافئ من يفتقر إلى الاعتراف والضمانات.
من هنا، يبدو أن المسار الأكثر واقعية للأكراد في سوريا لا يمرّ عبر مشروع الدولة المستقلة، بل عبر إدراج مطالبهم ضمن تسوية دستورية وطنية شاملة، تقوم على الاعتراف بالتعدد القومي، وتكريس اللامركزية، وضمان المشاركة السياسية الفعلية ضمن إطار الدولة الواحدة. أما غير ذلك، فيبقى حلماً مشروعاً في الذاكرة السياسية، لكنه هشّ في ميزان القانون، وقابل للتبدّد مع كل تحوّل إقليمي جديد.
وربما تكمن المفارقة في أن هذا الحلم، حتى وهو يتراجع، يظل شاهداً على صمود هوية ترفض الذوبان. فالتاريخ لا يُمحى بتسويات مؤقتة، والحقوق قد تُؤجَّل أو يُعاد تعريفها، لكنها نادراً ما تختفي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيُعاد تدوير المسألة الكردية في سوريا داخل عقد وطني جديد يعترف بالاختلاف بوصفه مصدر قوة، أم ستبقى أسيرة منطق الحرب وتوازناتها المتغيّرة؟!