أشكل على اللبنانيين وعلى سائر المعنيين بالشأن اللبناني، معرفة اليوم التالي لوقف النار، بعد حرب الإسناد، قالوا بالإتفاق على البنود كافة، وأن تطبيق هذة البنود كافية، لإحلال السلام في الربوع اللبنانية كافة، بما في ذلك الجنوب الذي كان ساحة المواجهة مع إسرائيل. وبادروا على الفور لإنتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة، على قاعدة من حصرية السلاح بيد الدولة، بعد تسليم حزب الله بخسارة المعركة.
وتوقّع اللبنانيون، من المفاوضات التي كان رئيس الجمهورية، يجريها مع حزب الله، أن تؤتي أكلها، وأن يبادر حزب الله، لتسليم السلاح، وفاقا للتعهدات وللمطالب، غير أن منطق هذة التوقعات، كان معكوسا، إذ سرعان ما بدأت التصريحات، تحمل نفسا تصعيديا: أن المقاومة خسرت المعركة، وأنها لم تخسر الحرب. لأن الحرب لا تزال قائمة، فلم تلتزم إسرائيل بوقف النار، الذي وافق حزب الله عليه وإلتزم به، ولم تخرج قواتها من التلال الخمس، بل زادت من شروط التمسّك بها، خصوصا بعد إنهيار النظام السوري، ومحاصرة حزب الله في سوريا، ومن ثم مغادرته لها. صار اللبنانيون أمام منطق جديد للتوقعات بعد إجبار المقاومة على الخروج من سوريا، وإبطال مراكزها كلها، ووضع اليد عليها.
ومما زاد في البلبلة، فتح النيران الإسرائيلية، على إيران. وإمعانا في إظهار ضعف الدولة الإيرانية، بدأت إسرائيل بشنّ الهجمات عليها بالطائرات، فأوصلت إليها رسالة بالغة العنف: ضربت عددا لا يحصى من مراكزها العسكرية واللوجستية، وقتلت عددا جمّا من علماء الذرة والنووي فيها لمدة إثني عشر يوما. وإنتهت الحرب بينهما، بعد أن دخلت أميركا على الخط، ودمّرت بعض المفاعلات النووية، وأخرجتها من الخدمة. وشكرت الولايات المتحدة إيران لتعاونها وتأدّبها، وعدم ردّها أيضا...
باتت السردية اللبنانية، تردد أن حزب الله صار محاصرا من جميع الجهات. خسر سوريا وخسر المدد الإيراني. وبات في موقع لا يحسد عليه، وفي موقف يرتسم بعلامات الخذلان، وظنت السردية اللبنانية أن حزب الله أسقط في يده، وأنه صار على شفا الإقتناع، بالتخلّي عن السلاح، وأنه أكثر قابلية لتسليمه للجيش اللبناني، وأنه من الأفضل له ذلك، حقنا للدماء.
أفاد حزب الله من فرصة الزيارات الأميركية للبنان، وكذلك من لقائهم، الممثلين عن حزب الله. وأفادوا من الكلام الأميركي الطيب، الذي كان يطبب جروحهم، ويقوّي عزائمهم. أفادوا أيضا من جميع أنواع المكر والإنكار والإنكسار. كان ذلك قد منحهم فرصة سانحة لاستجماع قواهم، بالتشاور مع قادة فيلق القدس، الحليف الإستراتيجي لهم، وبالتشاور المباشر مع القادة في إيران.
قادت «الضربة الأميركية اللازبة»، والتي أوقفت الحرب الإسرائيلية الإيرانية، إلى طاولة المفاوضات. وصارت إيران أشدّ تمسّكا بذراعها اللبناني، من أجل أن تكون أقوى، ومن أجل التفاوض عن قوة. فأنعشت حزب الله من جديد، وأعادت تجديد ندائها علنا بتبنّيه، ومنحته جرعة قوة. فصار للحديث عن خسارة معركة وليس عن خسارة حرب، بل إنه إلتزام بمنطق ورقة التفاوض، لا بمنطق تسليم السلاح. لأنه صار في موقع القوة، بعد أن إجتاز برزخ الضعف.
في السردية اللبنانية، أن إيران تخلّت عن حزب الله، حين كانت إسرائيل تشنّ حربا ضروسا عليه. غير أن التصاريح الإيرانية كافة، عادت فخرقت سقف ومنطق التوقعات كلها، فهي تؤكد يوميا أنها لن تسمح بأن يسلّم سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية. وجعلت هذه السردية اللبنانية دون توقعاتها التي كانت تنتظرها. وها هو حزب الله يستنفر جميع رجاله، ليردّ على حملة التجريد من سلاحه، بأنه لا يسلّم، ولو إبرة.
تداعى منطق التوقعات أمام المفاجأة الجديدة: حزب الله بماله وسلاحه، هو شأن فيلق القدس. وسلاح حزب الله، باقٍ في يده، ما بقي فيلق القدس على موقفه. ولتكن المراجعة في هذا الشأن معه، وأن الكلمة بعد الآن للميدان. وعلا غبار المعركة، فإحتدمت في جميع شوارع بيروت، على قاعدة من الفوضى، التي تقود إلى مفاوضة...
* أستاذ في الجامعة اللبنانية