كل شيء يؤشر إلى أن لبنان سيبقى في عين الإعصار الإسرائيلي المتواصل من ثمانية أيام، في ظل اتساع رقعة الاعتداءات المنظمة من الجنوب، مروراً بالبقاع ووصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية، بعدما فرغت هذه المناطق من سكانها، والذين يعانون ظروفاً بالغة السوء، مع افتقادهم إلى أدنى مقومات العيش في ظل الظروف القاسية التي يمر بها لبنان، والمناطق التي تتعرض للقصف الإسرائيلي المستمر . ورغم إعلان كبار المسؤولين استعدادهم للبدء بمفاوضات مع الاحتلال، فإن إسرائيل لا تبدو في هذا الوارد على الإطلاق، قبل استكمال مخططها الإجرامي الذي بدأته قبل أكثر من أسبوع . وفي وقت يقبع لبنان من أقصاه إلى أقصاه تحت وطأة عدوان إسرائيلي واسع النطاق، وبدلاً من استنفار كل الإمكانات الحكومية والنيابية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتالياً التخفيف من معاناة الناس، تداعى النواب، ومن بينهم نواب "حزب الله"، ورغم المخاطر الأمنية التي تطالهم، إلى عقد اجتماع للهيئة العام للبرلمان، من أجل اتخاذ قرار بالتمديد للمجلس النيابي لمدة سنتين . وهو أمر قوبل باستياء واسع لدى الغالبية من اللبنانيين، متهمين الطبقة السياسية بالسعي من أجل مصالحها على حساب مصالح اللبنانيين .
وإزاء تفاقم حدة المعاناة لدى السواد الأعظم من اللبنانيين، فإن تساؤلات واسعة بدأت ترتفع في الأوساط الشعبية عن مدى القدرة على تحمل تداعيات الأزمة الراهنة في حال استمرارها . وهو أمر رفع من وتيرة الغضب الشعبي في صفوف النازحين الذين تركوا بلداتهم ومدنهم، وافترشوا العراء، دون أن تكون لمؤسسات الدولة القدرة على تقديم العون المطلوب لهم . وحتى أن انتقادات هؤلاء لم توفر بيئة "حزب الله" نفسه، وسط دعوات لمضاعفة الجهود من أجل تأمين المتطلبات للنازحين والعمل على التخفيف من معاناتهم، مطالبين الدولة اللبنانية بأن تتخذ كل ما تراه مناسباً من أجل مصلحة البلد، وأن تكون وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم . وهذا يرتب مسؤوليات كبيرة على السلطة من أجل تأمين مقومات الصمود للعائلات النازحة من جحيم الحرب التي لم توفر البشر ولا الحجر .
وفي حين تزداد الخشية من إقدام إسرائيل بضوء أخضر أميركي على احتلال مناطق واسعة من جنوب الليطاني، وهو الأمر الذي بدأ جيش الاحتلال التحضير له، في ضوء إدخال المزيد من وحداته العسكرية إلى الأراضي اللبنانية، فإن أوساطاً وزارية تشير إلى أن هناك حالة استنفار دبلوماسي بدأها لبنان منذ الساعات الأولى للعدوان، لكن لا مؤشرات إيجابية حتى الآن، بإمكانية استجابة الاحتلال للوسطاء من أجل وقف عدوانه على لبنان، توازياً مع دعوات ل"حزب الله" لأخذ مصلحة لبنان أولوية . وتعلق الأوساط أهمية على الحراك الفرنسي اللافت الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون باتجاه إسرائيل بالدرجة الأولى، وما يمكن أن يسفر عن نتائج إيجابية تصب في وقف الحرب العدوانية على لبنان، وسط ترقب ثقيل لمآلات التصعيد المتواصل، وما يمكن أن يتركه من نتائج كارثية على لبنان وشعبه . ووسط خشية جدية من إطالة أمد هذه الحرب لفترة طويلة، بدعم أميركي غير محدود، في إطار العمل لتجريد "حزب الله" من سلاحه .
وأكثر ما يخشاه لبنان، ألا تكون الحرب التي تستهدفه مرتبطة بنتائج الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، في ظل حديث إسرائيلي متزايد عن أن الحرب على لبنان منفصلة عن الحرب التي تشن ضد إيران، في ظل تسريبات بأن واشنطن لن تضغط على إسرائيل لوقف عدوانها المستمر على لبنان، لا بل أن الإدارة الأميركية قد توفر الغطاء الذي يحتاجه الاحتلال، لرفع وتيرة حربه ضد الأراضي اللبنانية، في إطار العمل لنزع سلاح "حزب الله"، طالما أن الحكومة اللبنانية، وفقاً للإدعاءات الإسرائيلية لم تقم بما عليها على صعيد ملف حصرية السلاح. وإزاء هذا الواقع فإن المطلوب تضافر كل الجهود الداخلية والخارجية، من أجل تحصين الجبهة الداخلية وحماية لبنان من الانعكاسات التي قد تؤثر على استقراره الداخلي، بما يحول دون زيادة الشرخ بين اللبنانيين وتعميق حدة الانقسام بينهم.