كتبت آية عميرات في اللواء:
في تاريخ الأوطان محطات لا تُقاس بالسنوات بل بحجم التحوّل الذي تصنعه. ومن بين أبرز هذه المحطات في لبنان، تبقى مرحلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري واحدة من أكثر الفترات حضوراً في ذاكرة اللبنانيين، ليس فقط بسبب شخصيته القيادية، بل بسبب الإنجازات التي تركت أثراً واضحاً في الدولة والمجتمع والاقتصاد.
دخل الحريري الحياة السياسية حاملاً مشروعاً وطنياً واضح المعالم: إعادة بناء لبنان بعد سنوات الحرب، واستعادة دور الدولة ومؤسساتها، وإعادة الثقة بالاقتصاد الوطني. لم يكن يتحدث عن أحلام نظرية، بل بدأ فوراً بتحويل الرؤية إلى مشاريع ملموسة على الأرض، فشهدت البلاد مرحلة من العمل الدؤوب والنهوض التدريجي.
إعادة إعمار العاصمة وإطلاق ورشة النهوض
كانت العاصمة بيروت رمزاً للجراح التي خلّفتها الحرب، فبدأ الحريري مشروع إعادة إعمارها وتحويلها إلى مساحة للحياة والعمل والاستثمار. عادت المؤسسات، وازدهرت الحركة التجارية، واستعاد لبنان جزءاً كبيراً من صورته كوجهة اقتصادية وسياحية في المنطقة.
إنعاش الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات
عمل الحريري على إعادة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية العربية والدولية، فاستقطب الاستثمارات، وأعاد الثقة بالقطاع المصرفي والأسواق، وفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية ساهمت في تحريك عجلة الإنتاج وتوفير فرص العمل. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، كانت تلك المرحلة عنواناً للحيوية الاقتصادية والنشاط المستمر.
تطوير البنية التحتية وإعادة بناء الدولة
من الطرقات والجسور إلى المرافق العامة وشبكات الخدمات، شهد لبنان في عهده مشاريع بنى تحتية أعادت وصل المناطق ببعضها وأعادت للدولة حضورها العملي في حياة الناس. هذه المشاريع لم تكن مجرد أعمال إنشائية، بل كانت أساساً لإعادة بناء مؤسسات قادرة على خدمة المواطنين.
الاستثمار في التعليم والإنسان
آمن الحريري بأن بناء الوطن يبدأ ببناء الإنسان. دعم آلاف الطلاب من خلال المبادرات التعليمية والمنح، وساهم في فتح آفاق جديدة أمام الشباب اللبناني داخل البلاد وخارجها. كثيرون يعتبرون أن فرصهم التعليمية كانت نقطة تحوّل في حياتهم، وأنها أسهمت في تكوين جيل متعلم قادر على المشاركة في بناء المجتمع.
تعزيز الحضور العربي والدولي للبنان
عمل على إعادة ربط لبنان بمحيطه العربي والعالم، فاستعاد البلد مكانته في المؤتمرات الاقتصادية والسياسية، وعاد اسمه حاضراً في المشاريع الإقليمية والدولية. هذا الحضور عزّز ثقة المستثمرين وفتح أبواب التعاون والشراكات أمام الدولة اللبنانية.
قيادة تحمل رؤية وأملاً
ما ميّز تجربة رفيق الحريري لم يكن فقط حجم المشاريع، بل أسلوب القيادة المبني على الإصرار والعمل والإيمان بقدرة لبنان على النهوض. شعر اللبنانيون في تلك المرحلة أن الدولة تتحرك وأن المستقبل ممكن، وأن هناك مشروعاً وطنياً واضحاً يقود البلاد نحو الاستقرار والتنمية.
اليوم، وبعد سنوات طويلة على غيابه، يبقى اسمه حاضراً كلما تحدّث اللبنانيون عن زمن العمل والإنجاز. بالنسبة لكثيرين، لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل رجل دولة أعاد الأمل إلى وطن أنهكته الحروب، وترك إرثاً من المشاريع والرؤية والإيمان بلبنان القادر على الحياة.
يبقى رفيق الحريري في الذاكرة اللبنانية عنواناً للنهوض والإعمار والعمل الجاد، ودليلاً على أن الإرادة السياسية حين تقترن برؤية واضحة تستطيع أن تغيّر مسار وطن بأكمله… وأن تبني مستقبلاً ما زال اللبنانيون يحلمون باستعادته.