سيدي الرئيس، بمناسبة حلول الذكرى المجيدة لثورة 23 يوليو/تموز 1952 لروحك الطاهرة وذكراك العطرة وزرعكم الاستراتيجي، ألف تحية، وصرختكم الثورية على الاستعمار أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل، واهتزت عروش قوى الاستعمار والمتعاونين معهم من قوى صهيونية استعمارية رجعية وجميعهم حاولوا التصدّي لهذه الثورة، ثورة العرب الأولى في العصر الحديث لتحرير الأرض والإنسان العربي، وقد وقف معك كما رأيت وشاهدت كل أبناء أمتك العربية وقفة بطولية لم تشهد بلدان وشعوب الأمة العربية مثيلا لها منذ انتصار العرب على جحافل الصليبيين واخراجهم من بلادنا وتحرير الأرض العربية منهم ومن اتباعهم بقيادة القائد صلاح الدين الأيوبي. وعاشت المنطقة بعدها في أطوار متعددة ومختلفة فتحرّرت بلدان عربية من النفوذ والسيطرة عل مقدرات بلداننا العربية ومعظمها كان خاضعا للاستعمار البريطاني والفرنسي تحت ذريعة كاذبة وخادعة ومضللة هي الانتداب وتأهيل شعوب المنطقة لتحكم نفسها بنفسها تغطية لمآربها بالسيطرة والاحتلال لاتفاقهما الذي حمل اسم سايكس-بيكو لتقسيم المنطقة بين النفوذين البريطاني والفرنسي، ثم وعد بلفور بإعطاء الصهاينة وطن قومي لليهود بفلسطين وجعل دويلة الاغتصاب من عصابات اليهود الذين جاءوا بهم من بقاع الدنيا وانشأوا لهم دويلة تحت حماية أبدية من قوى الاستعمار المسيطر في تلك الفترة الزمنية ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
سيدي الرئيس، ثورتك البيضاء تصدّت لهاتين القوتين الغاشمتين وتم اخراج القوات البريطانية من مصر واستقلت مصر استقلالا تاما والعراق وسوريا وبلاد المغرب العربي والجزائر بعد استعمار فرنسي ظل جاثما عليها وعلى مواطنيها ومقدراتها مدة 130 سنة الى ان طردت الاستعمار الفرنسي واستقلت في العام 1962 وسبقها تحرير تونس ومراكش وليبيا وكانت هذه النهضة إيذانا لتحرير دول وشعوب عدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
سيدي الرئيس، نحن أبناء الأمة العربية استعدنا تاريخ منطقتنا من خلال نضالاتك المباركة ومن خلال اخلاصك لأمتك ودولها وشعوبها، فكنت القائد الشجاع والحكيم الواثق بأمته وحقّها في الحياة وتحرير أراضيها من سيطرة المستعمرين ومن تمكين الصهاينة غصبا وبالقوة الغاشمة من كل فلسطين لتكون دويلة وسط الأمة العربية ترهب بوجودها ظهر النضال العربي وتعيق وحدتها وتقدّمها ودورها التاريخي بين الأمم.
سيدي الرئيس، ما حالنا اليوم بعد غيابك لـ55 سنة، لقد علّمنا التاريخ كما تعلّمنا من قيادتك الفذّة ان الاستعمار ليس مجرد احتلال للأرض إنما هو أيضا احتلال للإرادة والقرار وللموارد والثروات الوطنية وإقامة قواعد عسكرية له فوق الأرض الوطنية واستيطانها، ان احتلال الإرادة وخضوعها واستسلامها وفساد العقلية والرؤية والتبعية للأعداء بل العمالة للأجنبي وللأعداء بحجة الحماية والاستعانة أو التزوّد بالسلاح والعتاد المشروط بعدم استخدامه إلّا للانتحار الذاتي عبر حروب أهلية طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية وعشائرية ودينية بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة، ان ثورة يوليو التي نحتفل اليوم بذكراها الـ73 كانت وستبقى الحالة الجدّية التي استجمعت جميع عناصر البطولة وكان جمال عبد الناصر هو هذا البطل الذي ملأ حضوره العالم كله وما زال بعد رحيله والشواهد كثيرة وغنية وثابتة. ان البطل منحاز بطبيعته لوطنه ولشعبه يصبح ممثلا لقضاياهم وأهدافهم ويتكلم باسمهم وينتصر بكفاحه لهم فيستحوذ على ثقتهم ومحبتهم واحترامهم بسبب إخلاصه، لذلك يخرج البطل في الأغلب من وسط شعبه وأمته. ان غياب البطل جسدا لا تغيب معه الثورة والمبادئ والأهداف، لقد كان جمال عبد الناصر رجلا في أمة وأمة في رجل، وكانت ثورته إيذانا بعد العدوان الثلاثي بتحرير عشرات الدول من ربقة الاستعمار في دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وفي الوطن العربي.
اليوم سيدي الرئيس، أنظمة العرب كلها تدخل حظيرة الصهيو-أميركي بدعم مفتوح من دول استعمارية أخرى. لقد شنّت إسرائيل بدعم أميركي عدوانا على الشعب الفلسطيني بإلغائه من الوجود وإلغاء قضيته المحقّة والجميع يتفرّج..
سيدي الرئيس، في الليلة الظلماء يفتقد البدر وأعاد النظام العربي ودوله بأمة العرب الى ما قبل ثورتك المظفرة وحوّلت زمن الانتصار بفضل المقاومة الأهلية الشعبية الى الزمن الصهيو-أميركي وهناك سايكس بيكو جديد رسم شرق أوسط جديد يخضع الأمة العربية الى ما هو أخطر من العام 1948 هذا ما جنته دول النظام العربي الحالي المتصهين والمتأمرك
سيدي الرئيس، ليتك كنت بيننا لما كان حالنا كما هو اليوم، لما أضاع أحد فينا البوصلة والطريق، لكننا نعاهد روحك في هذه الذكرى المباركة بإكمال النهج والطريق حتى نيل إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. لروحك الطيبة ألف سلام ورحمة الله وبركاته.