كم يشتاق اللبنانيون عموماً والبيروتيون خصوصاً، الذين تنتابهم مشاعر متناقضة وممزوجة بالشوق والحنين والحسرة والأسى كلما أطل عليهم شهر رمضان المبارك، الى زمن رفيق الحريري «الرمضاني»، حين كان يحرص على إضفاء أبعاده الإنسانية والإجتماعية بكل تجليّاته الروحانية والنورانية على نفوس كل الناس، الذين يشعرون من خلاله بحقيقة الأجواء والقيم الرمضانية السامية والنبيلة، وفي مقدمها الإحسان، الإحسان في التعامل مع الآخرين، وبذل المعروف، والتعامل مع جميع الناس، وكذلك السخاء والجود، والمسارعة في مساعدة المحتاجين، والرحمة تجسيداً لمعنى التكافل والتعاضد، خدمة للمجتمع وإرتقاءً به. فخلال شهر رمضان المبارك، ما من شخص إلّا وكان يُدعى إلى مآدب الافطارات الرمضانية في دارته في قريطم، إما بصفته المهنية، وإما بصفته العائلية، وإما بصفته وجهاً اجتماعياً، أو منتسباً إلى جمعية أهلية، أو بصفته موظفاً في أي من القطاعات المتنوّعة، والأهم من كل ذلك أن يكون مجرد مواطن عادي، لا أحد كان يفتكره أو يتذكره إلّا رفيق الحريري، لأنه مفعم ومشبع بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية، ما يجعله يتفاعل بها مع الإنسان العادي، ليشعره بعزّته وكرامته ومواطنته الحقة. كانت «دارة قريطم» الرحبة كقلب صاحبها، تعجّ يومياً بآلاف الأشخاص على موعد الإفطار، يأتون إليها قبل المغرب بساعات، فتتحوّل القاعة الكبرى إلى ملتقى لهم، يجمعهم على تنوع فئاتهم الاجتماعية والثقافية والمهنية، وسط مشاعر المحبة والألفة، التي تتكرّس من خلال التواصل والتلاقي في ما بينهم، والتي كانت تحول دون ذلك الحياة «المدينية» المخيّمة، التي ساهمت في تفكّك الروابط العائلية والسكنية في المدى البيروتي تحديداً واللبناني عموماً، بحيث تمكّن الرئيس الشهيد من وصل ما إنقطع إجتماعياً، بفضل شخصيته و«كاريزماتيته» الساحرتين في وجدان الناس. ولا مبالغة ولا مغالاة في القول ان دارته في قريطم خلال الشهر الكريم، كانت تتحوّل إلى نموذج مصغّر للبنان التنوّع والتعدد والتلاقي. كم كان يبدو مشرقاً وفرحاً وسعيداً عندما يدخل القاعة، فيستقبل بعاصفة من التصفيق، وتشعر جموع المحتشدين بمجرد إطلالته، بالاطمئنان والثقة، خصوصاً عندما كان يخاطب طموحاتهم وتطلعاتهم وهواجسهم، ويتحدث عن مشاريع الانماء والاعمار والنهوض الاقتصادي بصدق وبساطة، مقرونة بحجة الاقناع بالوقائع والحقائق. وفي نهاية الإفطار كان يحرص على الوقوف على مدخل القاعة ليودّع كل المدعوين ويصافحهم فرداً فرداً، ويستمع من بعضهم الى مطالبهم التي كان على الفور يكلف أحد المستشارين بتحقيقها. وفي رمضان كان الرئيس الشهيد يدق أبواب «الفقراء» و«العائلات المستورة» بصمت مطبق و«تخفٍ» من خلال المؤسسات التي كان أسسها خدمة لتنمية المجتمع اللبناني، وذلك تخفيفاً من الأعباء المعيشية للمواطنين المسلمين والمسيحيين على حد سواء، لينعم الجميع بشهر الخير والعطاء. فقد كان «مكتب المساعدات» بإشراف «رجل المؤسسات» عصام عرقجي ومساعده «الدينامو» مروان الأيوبي، يتكفل بتقديم مساعدات مالية وتسديد فواتير الطبابة والاستشفاء والدواء، لمستحقيها من المتعثرين، وتقديم التبرعات للجمعية الناشطة على كل الصعد وفي مختلف المناطق بما فيها لجان المساجد والكنائس. أما «منسقية المرأة» بقيادة «صاحبة التاريخ الطويل في العمل النسوي والتنموي» عفيفة السيد و«جمعية نساء المستقبل» بإشراف المربية الراحلة عايدة الشريف، كان مناط بهما تقديم الرعاية والدعم والتكفل والتمكين الإجتماعي للمسنين وأصحاب (الهمم)، إضافة إلى «كسوة» العيد للأطفال اليتامى لإدخال الفرح والسرور في نفوسهم، حرصاً على إشعارهم بأنهم متساوون مع سواهم من الأطفال. بدورها «جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية» بإشراف النائب الأسبق سليم دياب، التي كان يكلفها الرئيس الشهيد القيام بعملية تحضير وتوضيب وتوزيع الحصص الغذائية على المواطنين وإيصالها الى منازل المستفيدين، حفاظاً على كرامتهم وعزّة نفسهم، والتي كانت تفوق المئة ألف حصة في بيروت وحدها من أجود أنواع المواد. وكان لي شرف المساهمة المتواضعة سنوياً في هذه العملية الضخمة والشاقة، بكل إقدام وتفان، إلى جانب «المخططين» صالح فروخ وعزة قريطم، وفريق عمل كبير يقوده تنفيذاً «رجل المهمات الصعبة» مروان الكردي ومكننة «الصامت الأكبر» أحمد عيتاني، وفرق ميدانية في مختلف المناطق على رأسهم: سامر الترك، بسام جعفر، زياد الغول، غسان جارودي، مالك مملوك وغيرهم، وذلك بإشراف مباشر ولصيق من قبل سليم دياب المتابع بدقة لأدق التفاصيل لنقلها بحذافيرها للرئيس الشهيد وطمأنته على مجريات وحسن التنفيذ. أما عندما كان يلبّي الرئيس الشهيد رفيق الحريري دعوات إفطار كبرى المؤسسات والجمعيات الإسلامية الخيرية، فلم تكن لمجرد الرعاية من موقعه كرئيس للحكومة، وفقاً للتقليد المعمول به، بل كانت مشاركته ورعايته، تتويجاً للدعم اللامحدود الذي كان يقدمه لها، لتتمكن من تسديد ديونها، وبالتالي منحها الدفع والقدرة والدعم لتواصل رسالاتها في شتى مجالات إختصاصها الاجتماعية، لقناعته الراسخة بأن تكامل تقديمات الدولة مع المؤسسات الأهلية أمر حتمي وضروري لنهضة المجتمع وتنميته. لم يسبق للبنانيين أن عرفوا أو خبروا شخصيات أو زعامات سياسية، لا سيما في الوسط السُّنّي، والبيروتي تحديداً، تشبه رفيق الحريري في عطاءاته ومكارمه. لقد كسر الحريري النمط التقليدي لعلاقة الناس بزعمائهم، وأحزابهم (ذات العقلية الميليشيوية)، الذين يقدّمون الخدمات لـ«جمهورهم الخاص» من مؤسسات الدولة وأجهزتها، وفق مبدأ الولاء والمحسوبية والاستزلام، إذ تجاوز الحريري ذلك النمط بتوسيع وتنويع دوائر تلك العلاقة مع الناس من مختلف الطوائف والفئات، من دون أي تمييز، حتى قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة، من عطاءاته ومساعداته، وكذلك من خلال إنشاء مؤسسات إجتماعية وتربوية وصحية عملاقة، فضلاً عن مساهمته، بعد الاجتياح الاسرائيلي من خلال شركته الخاصة «أوجيه لبنان» في مسح آثار العدوان الإسرائيلي في كل من صيدا وبيروت، وإعادة بث الروح فيهما. منذ الاغتيال المدوي، كلما حلّ شهر رمضان المبارك، تستحضر الناس أهمية رفيق الحريري وعظمته كأب للجميع، بعدما أُصيبت في صميم مشروعها وتمثيلها، وبالتالي شعورها بما يشبه اليُتم بعيد فقده وغيابه. في شهر الخير، لا يمكن إلّا أن نذكر رجل الخير الرئيس الشهيد رفيق الحريري بكل خير.