بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 تشرين الثاني 2025 12:05ص رفيق الحريري: نهضة لبنان وإرث التنمية الوطنية

حجم الخط
فاروق غانم خداج*

في يوم الاستقلال اللبناني، لا بد من استحضار رفيق الحريري، الرجل الذي شكّل حقبة استثنائية في إعادة الحياة إلى لبنان بعد الحرب، والذي ما زالت ذكراه تلهم الكثيرين في مسيرتهم الوطنية.

الإرث الشخصي ومسيرة النجاح

ولد رفيق الحريري في صيدا عام 1944، ونشأ في ظروف بسيطة قبل أن يفرض نفسه رجل أعمال ناجحاً، تدرّج ليصبح من أبرز المستثمرين في لبنان والسعودية. لكن إنجازاته الكبرى لم تقتصر على عالم المال، بل تعدّتها إلى السياسة والإصلاح الوطني.
بعد انتهاء الحرب الأهلية، قاد الحريري مشاريع ضخمة لإحياء العاصمة وبناء البنية التحتية، من خلال مجلس التنمية والإعمار (CDR)، الذي أصبح أداة محورية في تحريك عجلة التنمية. من أبرز المشاريع التي أشرف عليها مشروع سوليدير لإعادة بناء وسط بيروت، وتحسين شبكات الطرق والكهرباء والمياه، إضافة إلى إطلاق مشاريع إسكانية وتنموية أسهمت في استقرار المدن وإعادة الروح إليها.
كان يؤمن أن نهضة لبنان ليست رفاهية، بل ضرورة، فصرّح مراراً أنه «لا يهمّ كم يكلّفنا إحياء العاصمة... المهم أن نعيدها إلى الحياة».

التوازن السياسي والدور الوطني

لم يكن الحريري مجرد سياسي أو رجل أعمال، بل كان صانع جسور وطنية. خلال تولّيه رئاسة الحكومة عدة مرات، سعى إلى موازنة المصالح الداخلية والخارجية، داعياً إلى التوازن بين الطوائف والمكونات، وتجسيد لبنان كدولة ذات سيادة وطنية.
كما لم يكن بعيداً عن الدبلوماسية، فاستخدم شبكة علاقاته الدولية لجذب الاستثمارات وتقديم لبنان كوجهة للنمو الاقتصادي والاستقرار. أراد لبناناً حديثاً، دولة قادرة على مواجهة التحديات، تجمع بين العيش المشترك، الديمقراطية، والازدهار الاقتصادي، وكان يراهن دائماً على الشباب والتعليم كمفتاح لتقدّم الوطن.

مشروع التنمية ورؤيته المستقبلية

مشروع الحريري كان طموحاً: ليس فقط إعادة ما دمرته الحرب، بل بناء بلد حديث يليق بطموحات اللبنانيين. جمع بين الرؤية التنموية والالتزام الوطني، وأكد أن اغتياله لم يوقف المشروع، بل ترك إرثاً مستمراً في قلوب اللبنانيين.
بالنسبة له، كان لبنان مشروعاً حضارياً: مفتوحاً على العالم، مؤمناً بالتكافل الاجتماعي، يعيد بناء ذاته بروح الوحدة والتوازن. مشاريع مثل تطوير وسط بيروت وإنشاء محاور الطرق الجديدة، وتجديد المدارس والمستشفيات، تؤكد أن رؤيته كانت عملية وملموسة وليست مجرد شعارات.

الاغتيال والتأثير الوطني

في 14 شباط 2005، اغتيل رفيق الحريري بتفجير استهدف موكبه في وسط بيروت، ما مثل زلزالاً سياسياً واجتماعياً كبيراً في لبنان والعالم العربي. لم يكن مجرد حدث مأساوي، بل نقطة تحوّل وطنية: اندلعت احتجاجات ثورة الأرز مطالبة بإنهاء النفوذ السوري، وسّرت منعطفاً تاريخياً في حياة البلاد.
بعد عشرين عاماً من استشهاده، ما زالت إنجازاته حاضرة في الذاكرة الوطنية، بينما واجه مشروعه تحديات وصعوبات سياسية كبيرة، تؤكد أن طريق بناء الدولة المستقرة ليس مفروشًا بالورود، وأن التضحيات جزء من مسيرة النهضة.

في سياق يوم الاستقلال

في عيد الاستقلال، يصبح ذكرى الحريري ذات دلالة خاصة: كان من أبرز من عملوا على إعادة الحياة إلى الدولة بعد الحرب، رمزاً لنهضة وطنية حقيقية. كان صانع توازنات بين الداخل والخارج وبين مكونات الدولة، ما يجسّد روح الاستقلال بمعناه الحقيقي: ليس مجرد التحرّر من الاحتلال، بل بناء كيان سياسي - اقتصادي متماسك.

سؤال وجداني عن المستقبل

في يوم الاستقلال، نرفع أعيننا نحو الماضي لنستذكر رجلاً غيّر وجه لبنان وأعاد إليه الحياة: رفيق الحريري. كان حلمه كبيراً، وطناً يضجّ بالحياة، شوارع تبتسم، مدارس تفتح أبوابها لكل طفل، ومستشفيات تحتضن كل مريض، وبيروت ترتدي ثوبها الجميل بعد سنوات الخراب.
واليوم، ونحن نحتفل باستقلالنا، يتسلل السؤال إلى قلوبنا: هل سيأتي يوم نرى رجلاً آخر مثل رفيق الحريري؟ رجل يملك الشجاعة والرؤية ليعيد لبنان إلى مجده، يجمع اللبنانيين حول مشروع بناء حقيقي، قبل أن يفكر في مصالحه الخاصة؟ رجل يجعل من الوطن قضية وواجباً وحقاً، لا مجرد كلمات على ورق؟
ذكرى الحريري ليست مجرد تاريخ، بل إلهام ونداء للأجيال القادمة، تذكير بأن لبنان يحتاج إلى من يحب الوطن أكثر من ذاته، إلى من يجرؤ على الحلم والعمل معاً لإعادة بلاده إلى الحياة، لتستعيد كرامتها ومكانتها بين الأمم.
في هذا اليوم، ونحن نتنفس هواء الاستقلال، نرفع أيدينا بالدعاء، ليس فقط لذكراه، بل أيضاً لرجاء أن يولد في لبنان رجل يحمل روح الحريري، ليواصل البناء، ويزرع الأمل في كل زاوية من زوايا هذا الوطن الجميل.

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني