لو كان قد قُدّر لمقياس ريختر أن يسجل في عداده أعلى الدرجات في عالم السياسة المحلية والإقليمية والدولية في المرحلة الراهنة، لكان قد لامس حد الذروة في أقصى درجاته، ذلك لما للأحداث المتسارعة في كل من لبنان والمنطقة والعالم لا سيما السياسية والأمنية منها على حد سواء.
ولما كنا بتنا ننام على شيء ونستفيق على شيء أخر من المستجدات بين ليلة وضحاها والتي طرأت فجأة جعلتنا نكاد أن لا نصدق ماذا حدث أو يحدث يوماً بعد يوم لا بل ساعة بعد ساعة، وكأن الخرائط التي رُسمت وتُرسم من قبل الكبار باتت هي وحدها هاجس الناس وحديث الساعة بين القاصي والداني، مما يؤكد ان كل هذه المتغيّرات والمستجدات هي أسرع بكثير مما كان ولا يزال يتصوّره بعضنا، مع ما يرافق ذلك من تداعيات وانعكاسات فرضت واقعاً جديداً على الكثير من دول المنطقة والعالم (مع حسيب ورقيب هذه المرة) وكأن المايسترو هو واحد ممن يديرون لعبة السياسة والأمم ويفرضون عنوة ودون سابق أو إنذار على كل من يعنيهم الأمر ما كان حتى الأمس القريب يعتبر مستحيلاً أو شبه مستحيل، ان كان في لبنان أو سوريا أو غزة وغيرها من البلدان والشعوب التي عانت الأمرّين وشهدت حروباً ومعارك وتوترات سياسية وهزات أمنية، ناهيك بالضائقة الاقتصادية الخانقة التي عانى ويعاني منها الجميع في تلك البلدان على مدى سنوات طويلة من الزمن دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل واحدة في حينه، مما جعل من كل المحللين والمراقبين يعجزون عن توقّع ما حدث وما آلت إليه الأوضاع والمعطيات الجديدة ما ترك أكثر من علامة استفهام وسؤال حول هوية ذاك «المايسترو» القادر على التغيير وقلب الأوضاع رأساً على عقب، وكأننا في سباق مع الزمن ومع أحداث تفرض نفسها بسرعة البرق على الجميع دون إذن أو دستور.
فبدءاً من أحداث سوريا الأخيرة التي أطاحت بحكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد بين ليلة وضحاها وجعلت من السيد أحمد الشرع يتصدّر الشاشات ووسائل الإعلام مع ما رافق ذلك من أمور لم تكن في الحسبان حتى بات «قصر المهاجرين» هو الشغل الشاغل للناس والحكومات والدول في كل من سوريا والدول الأخرى المعنية بالأمر، وما أدراك ما دور سوريا الهام والفاعل خاصة في المنطقة بالتحديد منذ زمن بعيد. وقد كان لكل من حلب وحماه وحمص مروراً بطرطوس واللاذقية والعاصمة دمشق ما اعتبر زلزالاً بحدّ ذاته لم يكن في الحسبان لا سيما ما حلّ بعاصمة الأمويين من إمساك لإدارة السيد الشرع لزمام الأمور أمنياً وسياسياً واقتصادياً وعلى كل المستويات الأخرى، حيث شرّعت الأبواب أمام مسؤولي العالم وقادته للتهافت الى دمشق لتهنئة الحكم الجديد ورسم خريطة جديدة للتعاطي مع الإدارة هناك سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً من خلال الدعم ومد يد العون له بإنتظار ما ستحمله الأيام والأسابيع والأشهر القادمة لتكريس نظام ودستور جديد في سوريا يُبنى عليه من قبل الشعب السوري وأولياء الأمر في الداخل والخارج معاً.
ولم يكد المشهد السوري يطفو على سطح المتغيّرات في المنطقة والعالم حتى ظهر في لبنان واقعاً جديداً أيضاً، تجلّى وبسرعة فائقة بسلسلة متواصلة من المستجدات التي لاحت في الأفق منذ بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان خاصة الحرب الضروس وما تعرّض له كل من الجنوب والضاحية والبقاع والعاصمة بيروت وغيرها من سائر المناطق اللبنانية وما رافق ذلك من دمار وتهجير للناس من قراهم ومناطقهم مع ما رافق ذلك من معاناة ومآسي نتجت عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى والمصابين عدا الخسائر المادية الجسيمة التي تكاد لا تُعدّ ولا تحصى خاصة تدمير المؤسسات الاقتصادية والتربوية والصحية ناهيك الى تفاقم الواقع الاجتماعي تأزّماً الى حد ان تلك الأزمة لامست حد الانفجار السياسي والاجتماعي لا بل والأمني أيضا لولا لطف لله ولولا ان اللبنانيين كعادتهم قد وقفوا صفاً واحداً في مثل هكذا ويلات وأزمات لتدارك الأسوأ.
وقد بقي لبنان على هذا الحال حتى جاء القرار من «المايسترو» لوقف إطلاق النار والأعمال الحربية في أواخر تشرين الثاني الماضي مع الإشارة الى ان العدو الإسرائيلي لم يلتزم بهذا الإتفاق حتى الأن وهو مستمر بخروقاته الأمنية اليومية براً وبحراً وجواً على أمل أن يلتزم بهذا الاتفاق لاحقاً وأن ينسحب من لبنان الى ما بعد الخط الأزرق وحتى الحدود المعترف بها دولياً وانتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية هناك.
وأيضاً وأيضاً وبسرعة تخطّت كل التوقعات جاء انتخاب الرئيس الرابع عشر للجمهورية في لبنان بعد مخاض وانتظار طويل هو العماد جوزاف عون وذلك بأصوات العديد من الكتل النيابية والنواب المستقلين مع ملاحظة هامة، انه من أبرز الأصوات التي صبّت لصالح انتخاب العماد جوزاف عون كانت لكتلتي «الثنائي الشيعي أو الوطني» سمِّها ما شئت.
وبعد استشارات نيابية جرت في القصر الجمهوري في بعبدا جاء تكليف الرئيس نواف سلام لتشكيل الحكومة العتيدة مع ما واكب ذلك من أخذ وردّ من قبل الثنائي المذكور معتبرين ان الأمر بمثابة انقلاب أو خديعة عما كان قد اتفق عليه قبيل انتخاب العماد جوزاف عون، ويبدو هنا ان الرئيس نبيه بري بحنكته ودهائه السياسي قد تلقّف الأمر وأعاد تصحيح البوصلة من جديد لتسهيل مهمة الرئيس سلام والإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة التي يُحكى انها ستكون حكومة تكنوقراط أو مختلطة ومطعّمة بسياسيين وفي أحسن الأحوال حكومة خبرات وذلك للانطلاق نحو مسيرة جديدة في لبنان عنوانها الأساسي الازدهار الاقتصادي والاستقرار الأمني والتوافق السياسي ولو بحدّه الأدنى مع خطة مبرمجة لإعادة الإعمار لا سيما في المناطق التي تعرّضت للعدوان الإسرائيلي الأخير على أمل أن يساهم بهذه المسيرة أصدقاء وأشقاء لبنان وعدد من المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي وغيره على سبيل المثال لا الحصر.
وبعدما قارب ٤٧٧ يوماً من الحرب والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وأهلها والضفة الغربية مما خلّف دماراً هائلاً وقضى على البشر والحجر في آن معاً وسقط أكثر من خمسين ألف شهيد وأكثر من مئة وخمسين ألف جريح ومصاب وتدمير كل معالم الحياة من بنى تحتية ومؤسسات ومستشفيات ومناطق سكنية وبعد صمود أسطوري للشعب الفلسطيني وبعد كل المجازر التي ارتكبت بحق الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى وبضغط هائل من قبل المعنيين بالأمر من الكبار ومن ضمنهم «المايسترو» نفسه بهدف إطلاق سراح الأسرى لدى حماس وبعد سلسلة مفاوضات استمرت أشهر طويلة شارك فيها كل من قطر ومصر والولايات المتحدة وغيرها جاء الفرج بالإعلان عن وقف لإطلاق النار اعتباراً من الأحد التاسع عشر من كانون الثاني الجاري وتنفيذ هذا الاتفاق على مراحل ثلاث يمتد كل منها على مدى ستة أسابيع على أن ينتهي الأمر بإطلاق سراح كل الأسرى لدى حماس وبالمقابل إطلاق سراح آلاف المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وبالتالي انسحاب إسرائيل الى خارج قطاع غزة والسماح بإعادة الاعمار وإدخال المواد الإغاثية والغذائية والصحية الى القطاع علماً انه لا يمكن لأحد التكهن بمسار الأمور المستقبلية في قطاع غزة والضفة الغربية منذ الآن بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع هناك بعد تنفيذ إسرائيل لكامل بنود هذا الاتفاق.
كل ما أوردناه آنفاً يجعلنا أن لا ننسى أن الحدث الأبرز دولياً يتجلّى بتنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب العائد مجدّداً الى البيت الأبيض في ولاية جديدة في بلاد العم سام مع ما يواكب ذلك من وعود كان الرئيس ترامب قد قطعها على نفسه بإنهاء الحروب في العالم لا سيما في الشرق الأوسط وفي أوكرانيا على أمل أن تنفذ مثل هذه الوعود بأسرع ما يمكن حقناً لدماء الأبرياء وتفادياً للمزيد من الدمار والخسائر الاقتصادية في العالم وفتح صفحة جديدة من العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية ما بين الولايات المتحدة ودول أخرى فاعلة في العالم كالصين وروسيا، مع الإشارة الى ان عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وما خلّفه من مآسٍ وحروب وكوارث يكاد مقياس ريختر أن يسجل في عداده درجات قصوى من الزلازل وما يتبعها من ارتدادات وهزات وارتجاجات كان العالم بغنى عنها.
في نهاية المطاف يبقى أن نبني على الشيء مقتضاه وأن نتّبع المثل القائل: تفاءلوا بالخير تجدوه، وأن ننتظر ما ستحمله الأيام والأشهر القادمة على هذا العالم وعلى منطقتنا ولبنان بالتحديد ونرجو أن يسجل خلالها «مقياس ريختر» أدنى درجاته من التوترات والحروب وأن تكون ارتجاجاته تحمل في طياتها كل الخير والأمن والبحبوحة والسلام لشعوب العالم بأسره... ريختر الكل بالانتظار.