بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 أيلول 2025 12:05ص سقوط أقنعة الغطرسة من غزة إلى الدوحة.. والعين على تايوان

حجم الخط
في عالم كان يتغنّى بشعارات القانون الدولي وحقوق الإنسان والأعراف الدبلوماسية، تكشف الأحداث المتسارعة يوماً بعد يوم أنّ هذه القِيَم كثيراً ما تتحوّل إلى مجرد عناوين برّاقة تخفي ورائها واقعاً أكثر قتامة. فما يجري اليوم من انتهاكات صارخة ضد الشعب الفلسطيني في غزة وما تبعها مؤخراً من استهداف مباشر للدوحة في محاولة اغتيال الوفد الفلسطيني المفاوض عبر غارات جوية لا يترك مجالاً للشك بأنّ القناع الذي ارتدته إسرائيل وباقي الدول المتغطرسة قد سقط تماماً.
إنّ السياسة الدولية لا تُدار فقط بموازين القوة العسكرية أو الحسابات الاقتصادية بل أيضاً بالرمزية، بالصورة وبالقدرة على إقناع العالم بشرعية الموقف. لطالما حاولت القوى الكبرى أن تُظهر نفسها كمدافع عن الاستقرار العالمي وراعية للقانون، لكن عند أول اختبار جديّ ينقلب المشهد لتنكشف حقيقتها المتوحشة. تماماً كما في المشاهد الأخيرة من أفلام الصراع بين الخير والشر حين يتخلّى «الشرير» عن قناعه المصقول ليظهر على حقيقته كمخلوق مرعب لا يعرف قيماً ولا حدوداً.
فالملايين الذين يخرجون في لندن وواشنطن وباريس وبرلين ضد الحرب على غزة يؤكدون أن الشعوب لم تعد تنطلي عليها لعبة الأقنعة. الشعوب تميّز بين الخير والشر بين الضحية والجلّاد حتى وإن خانتها حكوماتها. هذا الانقسام بين إرادة الشعوب وغطرسة الحكام هو أخطر ما يواجه دولنا اليوم وهو ما سيفتح الباب أمام سقوط هيبته عالمياً.
ما جرى في غزة هو المثال الأوضح، مجازر يومية، استهداف للمدنيين وللطواقم الطبيّة والمراسلين الصحفيين بعد تدمير البنية التحتية وحصار خانق يحوّل الحياة إلى جحيم وينشر المجاعة بين الملايين. كل ذلك يتم وسط صمت دولي وعربي إسلامي مريب بل أحياناً بدعم مباشر أو تواطؤ مقنّع من قوى تدّعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأخوّة. لكن التطور الأخطر لم يكن داخل غزة بل انتقل بعد لبنان وسوريا واليمن وإيران إلى عاصمة عربية آمنة مثل الدوحة. قصف جوي يستهدف مقراً مفاوضاً يضم وفداً فلسطينياً جاء بحثاً عن هدنة أو تسوية، هو جريمة مزدوجة، أولاً لأنّه انتهاك سافر لسيادة دولة مستقلة ووسيط معترف به دولياً وثانياً لأنّه محاولة اغتيال لعملية التفاوض نفسها أي اغتيال للسلام من جذوره.
هذا الاعتداء على قطر لم يكن مجرد حادث عرضي، إنه رسالة سياسية بليغة عنوانها لم يعد هناك احترام لأي خط أحمر. فالقوى المتغطرسة باتت تقول علناً إنها لا تعترف لا بقانون دولي ولا بأعراف سياسية وأنها مستعدة لاستخدام القوة بوقاحة حتى ضد وسطاء معترف بهم دولياً إذا لم تتماشَ مواقفهم مع مصالحها. وهنا تتجلّى الظاهرة التي يُحَذّر منها، حين يفقد الطرف المعتدي القدرة على الإقناع الشرعي يلجأ إلى العنف الأقصى محاولاً إخضاع الآخرين بالقوة بدل الحوار.
لكن مثل هذه الأفعال لا تبقى محصورة في جغرافيا واحدة. العدوى معدية... من لا يحترم سيادة قطر وحياة المفاوضين الفلسطينيين لن يحترم غداً سيادة دول أخرى سواء كانت تركيا أو مصر أو... الجزائر وباكستان، ومن يعتقد أنّ لغة القوة وحدها كافية لفرض الواقع سيعيد تكرار السيناريو ذاته في مناطق أخرى من العالم. ومن هنا تصبح العين على تايوان وحقوق الصين فيها، فالتجربة المريرة التي نعيشها اليوم في غزة والدوحة هي بروفة مسبقة لما قد نشهده في بحر الصين.
الصين بقوتها العسكرية المتصاعدة واستعراضاتها الأخيرة التي لم تكن شكلية تعلن بصوت مرتفع أنّها لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لتغيير معادلات القوة في محيطها الإقليمي، وغطرسة نتنياهو تعطيها مجاناً كل ما تحتاجه من ذرائع. وما لم يستفق الغرب إلى خطورة مسار الأحداث فإن العدوى ستنتقل من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا. فالمعادلة واحدة دول متغطرسة تعتبر أنّ قوتها العسكرية تبرّر تجاوزها للقانون والأعراف وأن بإمكانها فرض إرادتها على الآخرين عبر الحديد والنار.
إنّ الاعتداء على قطر ليس شأناً محلياً ولا إقليمياً فقط بل هو جرس إنذار عالمي. إنه يذكّر العالم بأنّ التهاون مع جرائم غزة ومع محاولات خنق أي وساطة سلمية لن يؤدي إلّا إلى انهيار المنظومة الدولية برمّتها. فحين تصبح لغة القوة هي المرجع الوحيد يفقد العالم توازنه وتتحوّل كل دولة إلى فريسة محتملة.
اليوم ونحن نشاهد سقوط القناع عن وجه هذه الدول علينا أن نقرأ المشهد بعمق علمي لا بسطحية سياسية. فالتاريخ يعلّمنا أنّ الغطرسة لا تدوم وأنّ الشعوب التي تتعرّض للقمع تجد في النهاية طريقها للمقاومة والانتصار. لكن الأخطر أنّ تجاهل المجتمع الدولي والإسلامي والعربي لهذه الانتهاكات سيجعل المشهد يتكرر في أماكن أخرى وسيرفع من منسوب الطوفان المتنقل. وما لم يضع العالم حداً لجنون القوة ضد غزة والدوحة فلن يكون مستغرباً أن نرى غداً نسخة أكثر خطورة في تايوان وبحر الصين...
الرسالة واضحة، على الغرب والعالم العربي والإسلامي أن يستفيق قبل فوات الأوان. فالقانون الدولي ليس ترفاً أخلاقياً بل هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام العالمي متماسكاً. وإذا استمرّت سياسة التغاضي عن الجرائم الواضحة ان لم نقل المشاركة في الحصار والمجاعة فإنّ الكارثة لن تبقى محصورة في الشرق الأوسط بل ستطرق أبواب آسيا وأوروبا معاً وستجعل من بلادنا ملعب فيّلة لا قدرة لنا تحمل تبعات ثقل تدميرها وحينها لن ينفع الندم.
فغزة لم تعد مجرد جغرافيا صغيرة محاصرة بل أصبحت منصة تاريخية لكشف زيف الخطاب الغربي وسقوط قناع الإنسانية الكاذب. كل قنبلة على غزة أسقطت قناعاً وكل شهيد فضح ادّعاءً وكل صورة لطفل جائع وتحت الركام كشفت حقيقة نظام دولي متواطئ حتى النخاع. إن ما يجري ليس مجرد حرب على غزة بل حرب على القيم الكونية التي طالما ادّعى الغرب أنه حارسها. واليوم بعد سقوط الأقنعة لم يعد ثمة شك أن من يتغطرس ويتواطأ مع القتلة لا يحق له أن يعلّم العالم معنى العدالة.