بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 أيلول 2025 12:10ص سلاح حزب الله وإزدواجية الشرعية

حجم الخط
د. محمد دوغان

ينطلق تقييم شرعية سلاح حزب الله من زاويتين متلازمتين: الأولى ترتبط بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والثانية تنبع من الدستور اللبناني والمبادئ القانونية التي ترعى سيادة الدولة. وبين هاتين الزاويتين تتجسّد إشكالية أساسية: هل يمكن لسلاح الحزب أن يحتفظ بشرعيته في ظل التطورات الدستورية والاتفاقيات الدولية، ولا سيما بعد اتفاق وقف الأعمال القتالية لعام 2025؟
على صعيد القانون الدولي، نصّ القرار 1701 (2006) بوضوح على ضرورة حصر استخدام القوة بيد الدولة اللبنانية، وعلى خلو جنوب الليطاني من أي سلاح غير شرعي. غير أن حزب الله يستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تكرّس حق الدفاع المشروع عن النفس، ليبرّر استمرار سلاحه بذريعة وجود أراضٍ لبنانية محتلة، مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وبفعل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. في هذا الإطار، يقرّ بعض الفقه الدولي بأن الاحتلال العسكري يسمح بممارسة المقاومة المسلحة، حتى من قبل فاعلين غير حكوميين، إذا كانت الدولة عاجزة أو غير راغبة في التصدي للاحتلال. وعليه، يمكن النظر إلى سلاح حزب الله في الجنوب بوصفه يتمتع بشرعية قانونية محدودة ومشروطة، ما دام مقتصراً على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
لكن اتفاق وقف الأعمال القتالية عام 2025 أضاف التزاماً جديداً على الدولة اللبنانية، إذ نص صراحة على سحب سلاح حزب الله من جنوب الليطاني وتنفيذ القرار 1701 بالكامل. هذا الالتزام يجعل أي استمرار للسلاح هناك محل تناقض قانوني: فمن جهة، يستند إلى حجة المقاومة والاحتلال؛ ومن جهة أخرى، يتعارض مع الشرعية الدولية التي تُلزم الدولة اللبنانية بنزع السلاح من تلك المنطقة.
أما شمال الليطاني، فالمسألة أكثر وضوحاً: إذ لا وجود لاحتلال إسرائيلي يبرّر استمرار السلاح، ولا نص قانونياً يضفي عليه شرعية. بقاء السلاح في هذه المنطقة يُعتبر خرقاً مباشراً للقرار 1701، ومخالفة صريحة للدستور اللبناني الذي ينص على احتكار الدولة وحدها لوسائل القوة. فالمقاومة لا يمكن أن تتحوّل إلى مؤسسة دائمة قائمة بذاتها، بل تنتهي وظيفتها مع زوال الاحتلال أو مع تولي الجيش اللبناني مسؤولياته الدفاعية.
على الحدود الشرقية وفي مناطق البقاع، يستند حزب الله إلى مبرر مختلف، هو مواجهة خطر الجماعات الإرهابية وحماية الحدود مع سوريا. غير أن القانون الدولي يفرّق بين مقاومة الاحتلال الأجنبي، التي يعترف بها ضمناً، وبين تدخّل جماعات غير حكومية في نزاعات إقليمية أو سيطرتها على أراضي دولة ذات سيادة. ومن ثم، فإن سلاح الحزب في تلك المنطقة لا يستند إلى أي أساس قانوني دولي، بل يعكس واقعاً مفروضاً بقوة السلاح خارج سلطة الدولة. هذا الواقع يتعارض مع مبدأ السيادة، إذ إن أي عملا دفاعيا داخل الأراضي اللبنانية يجب أن يتم حصرياً عبر الجيش والقوى الأمنية الشرعية. حتى من الناحية السياسية، فإن تصريحات صادرة عن القيادة السورية نفسها أشارت مؤخراً إلى أن مرحلة تدخّل حزب الله في سوريا باتت من الماضي، ما يعزز الدعوة لإعادة النظر في هذا الدور.
من زاوية الدستور اللبناني، المسألة أكثر صرامة. فالدستور والبيانات الوزارية المتعاقبة منذ عام 2005 أكدت أن الدولة وحدها تحتكر القوة والسلاح. وبذلك، فإن أي سلاحا خارج إطار الشرعية الرسمية يبقى موضع تعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، مهما كانت المبررات. الاستثناء الوحيد الذي يمكن التسامح معه قانونياً هو مقاومة الاحتلال الأجنبي في الجنوب، وهو استثناء مؤقت بطبيعته ومشروط بغياب بديل رسمي فاعل.
الخلاصة أن شرعية سلاح حزب الله ليست مطلقة، بل موضعية ومحدودة بجغرافيا وغاية. في الجنوب، يمكن تبريره مؤقتاً بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكنه يصبح متناقضاً مع الالتزامات الدولية بعد اتفاق 2025. في الشمال وعلى الحدود الشرقية، يغيب أي مسوغ قانوني داخلي أو دولي لاستمراره. التحدّي أمام الدولة اللبنانية اليوم هو الفصل بين «وظيفة المقاومة» المشروطة بوجود الاحتلال، وبين «واقع السلاح الدائم» الذي يتجاوز دور المقاومة ويتعارض مع حصرية السلاح بيد الدولة. وفي غياب استراتيجية دفاع وطني تُدمج فيها قدرات المقاومة تحت مظلة الجيش، ستبقى شرعية حزب الله عرضة للتآكل داخلياً وخارجياً، بما يهدّد أسس السيادة الوطنية نفسها.