التحضير لهذه الحرب أخذ أكثر من أربعين عاما، بشهادة من راقب وشاهد وعايش وخوض في السياسات كلها. كان لا بد عند القوى الصاعدة، أن تصنع نصرا لها، حتى تستحق كينونتها في عالم ما بعد الحربين، أو زوالها. ولهذا تمّت حياكة أثواب المقاتلين وكذلك رسم الأدوار والخرائط، بعناية فائقة، فيها من التمويه على الأهداف ما فيها. لأن «الحرب خدعة»، ومن إستطاع أن يصانع فيها ويجالد، فلا بد أن يحصد النتائج التي توخّاها، فنزلت كل قوى الأقطاب إلى الساحة.
خريطة الأوسط الكبير، كانت أهم الخرائط، لأنها غنية بمخزونها، ولأنها غنية كذلك، بمكونات الفتنة والإفتنان والمشاكسة والمشاغبة، وهي أصلا متشابكة ومتداخلة، وتصلح أن تكون أرضا لحروب طويلة الأمد، تمتد لأزمنة طويلة. ولهذا اقتطعوا لها زمنها بعناية فائقة، ووضعت على صفيح ساخن في المرحلة الراهنة: حيث كل المنطقة مفخخة، بما فيها، وبما عليها، والدول التي تدير شؤونها بالواسطة.
التحضير للعقائد المتقاتلة أخذ وقتا طويلا، لأنه لا يصلح لدخول هذه للبلاد، بلا عقائد، ولا يصلح لتأجيج البلاد، إلّا بنيران العقائد المتصارعة، فاستحضر التاريخ، واستحضرت صور الصراعات التاريخية، وصارت الأمور والمسائل الشائكة، إلى الواجهة.
الأوسط الكبير، كان ولا يزال سوقا عظيمة للفتن والثارات والصراعات. ندّت عنه الطموحات الكبرى، فما إستطاع أن يلحق بالعصور العلمية الصاعدة. ظل يدور كل وقته في الأزمنة الغابرة، وفي أساطير ووقائع خادعة. وأما خيراته، فهي ثروات الطامعين والطامحين، من سلالات الأفراد والدول. ضرب القادة الكبار بسهامهم فيها، وشكوا رماحهم على أرضها، وفي ساحاتها، طيلة قرن من الزمن. وأما اليوم، فقد نزلت الدول الكبرى، بل القوى الكبرى إلى السوق، تريد كل منها، أن تكون الإمارة لها.
صراع الدول وصراع القوى، لا يرحم الناس ولا يرحم حقوق الناس، وحقوق البلدان، ولا يحترم الخرائط، كل شيء قابل للخلط، كل شيء قابل للأخذ والرد وكل شيء قابل لإعادة التقييم والدرس، وإعادة النظر، فيما رسم منذ عقود وعقود.
سوق إجرامي بإمتياز، هذه الحرب التي تحضّرت خلال العقود الماضية، وهي إن استحضرت اليوم، فلأنها وافت سوقها، ودخلت جميع دول الأوسط الكبير فيها. حرب لئيمة أليمة، لا توفر حدودا، ولا تقف عند حدّ، فمراكز القوى كلها مستهترة، ولا تقيم وزنا إلّا للعصا السخينة، ولا بأس أن يموت الناس، بلا ملاجئ، بلا طعام أو شراب أو دواء.. لا بأس أن يموت الناس على الطرقات، لأن القوى القوية، صمّمت الحرب، وصفّرت بصفارتها للنزول إلى ملاعبها.
أعاد الأقوياء، ومعهم الأقطاب ومراكز القوى، خلط جميع الأوراق، وخلط جميع المهمات، وخلط جميع المواقف، لجميع الأطراف، وصارت الصياغة المستحدثة، تنسج على أساس من إرادة القوة القوية: قوة البطش والثأر، ونبش التاريخ وإستحضار الأساطير، والتهديدات المسبقة، لتكون الحرب على جميع دول الأوسط الكبير، مستساغة: صغيرة كانت أم كبيرة.
يقف الأقوياء والأقطاب ومعهم باعة الأسماك اليوم، في السوق الإجرامي، يدوسون بأقدامهم أرض الزمن الجميل، في شتى ألوان وأنواع دول الأوسط الكبير. يشدّدون من قبضاتهم، ويشحذون سكاكينهم، ويلوحون بخناجرهم وسيوفهم وراياتهم. يجتاحون البلاد كلها بلا إستثناء. فهل نشهد زورا وبهتانا على ذبح البلاد كلها، من الوريد إلى الوريد، لإقتسام لحمها؟ فهل تحققت نبؤتهم بأن الشرق كله، مجرد حيوان ثمين صالح للذبح؟! هل حقا يحققون النبوءة؟!
في السوق الإجرامي تعرض الجزارة بضاعتها عيانا، لجميع المتسوّقين فيها على القصارة، على الدف، ولا أحد يغيب عنها، حتى صغار القوم. كل يشارك بنصيبه فيها، وكل يرجي النفس أن يظل على ساقيه في الحرب. وأما السؤال عن إغلاق هذا السوق الإجرامي اليوم، فلا يزال الوقت مبكرا عليه، ولا يزال الأقوياء في أول الحرب، فنموذج غزة استغرق لسنوات، فما بالكم بالأوسط الكبير، وقد باغتته القوى الشيطانية، واستحضرته من ثباته ومن غيابه، وساقته على عجل، للدخول في هذه الحرب المستحدثة!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية