يقع لبنان تحت غائلة ضغوطات عسكرية ومالية ودبلوماسية وانقسامية، على المستوى الرسمي، ويقع جنوبه وبقاعه، امتداداً الى الضاحية الجنوبية تحت أعتى الاعتداءات والحروب الاسرائيلية التي تقهر/الجوّ عبر الطائرات والمسيَّرات لكسب المعركة، والتنكيل والقتل بعناصر أو بالقوة البشرية «للعدو» من زاوية إبادة المقومات التي يمكن أن تؤدي الى إلحاق ضرر أو التأسيس لعوائق مانعة للعدوان الاسرائيلي.
سجّل الرئيس جوزف عون موقفاً شجاعاً، عندما دعا قيادة الجيش اللبناني، إلى التصدي للاستباحات الاسرائيلية للاراضي اللبنانية المحررة في القرى الجنوبية، بعدما دخلت وحدة كوماندوس الى بلدة بليدا الحدودية، وقتلت الموظف البلدي ابراهيم سلامة، الذي دأب على المبيت هناك، بعدما دمرت قوات الاحتلال منزله عندما دمرت ما دمرت من منازل واراضٍ زراعية..
موقف الرئيس اللبناني، إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنه ضاق ذرعاً بخذلان لجنة مراقبة وقف النار الميكانيزم للحق اللبناني، وبخذلان الدولتين الضامنتين لإتفاق وقف النار من القيام بالمهام المطلوبة منها، ضمن آلية مراقبة اتفاق ت2 2023، الذي من المفترض أنه أنهى العمليات العدائية، فإذا بالإنهاء حاصل من جانب واحد، وأن دولة الاحتلال تعمل وفقاً لقانون السيادة الطبيعية والتوراتية بإبادة الخصوم أو عدم اقامة أي وزن للمعاهدات والمواثيق.
المخاوف الكبرى، تتعدى ساحات «الجغرافيا الشيعية» حيث يتواجد «حزب الله» الذي لقَّنته الحروب التي وقعت بين 8 ت1 2023والى االيوم دروساً من المفترض أن يكون استخلص العبر منها، ما خلا التوجه إلى رفع «الراية البيضاء؟ وإلقاء السلاح.. تمتد المخاوف إلى كل لبنان، بعد ارتفاع الصوت الاميركي والغربي للمطالبة بشروع السلطة اللبنانية بعمليات عسكرية لحصر السلاح فعلاً وتجريد الحزب منه.. وهو أمر ليس على جدول الأعمال الآن، وربما غداً أيضاً..
وأخطر ما في المشهد، تمادي اسرائيل بضغوطاتها الكلامية ورسائلها العدوانية، فضلاً عن التفلُّت بالكامل من أي ضوابط دولية.
فمع تصعيد عمليات الاغتيال لعناصر من حزب الله، فضلاً عن اغتيال مواطنين جنوبيين، ذنبهم فقط أن منازلهم وقراهم غير قابلة اللهجرة تحت وطأة العدوان وتماديه، بعث وزير الدفاع الاسرائيلي، ويدعى يسرائيل كاتس، برسالة جهنمية في إطار الضغوطات، والتهديدات، عبر الموفدة مورغن اورتاغوس من أن جيش العدوان لن يكتفي بالردّ الموضعي إذا ردّ حزب الله على العمليات التي تستهدفه، بل سيقصف العاصمة بيروت، ولم يكتفِ بذلك، بل حذر من حرب أشمل في غضون وقت ليس ببعيد ما لم ينزع الجيش اللبناني سلاح حزب الله، ويخرجه من الجنوب كلياً.
من الضغوطات السافلة، والتصريحات الكريهة، ما قاله السفير الاميركي في أنقرة توماس براك من أن لبنان دولة فاشلة، وأن لا مناص من سحب سلاح حزب الله، ولو بالقوة من دون التسبب «بحرب أهلية»!
وحسب آخر التقارير فإن براك، بعد صرف النظر عن تعيين جويل رايبورن، في منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى، باقٍ ضمن فريق الرئيس دونالد ترامب لـ متابعة ملفات الشرق الادنى، لا سيما في سوريا ولبنان، حيث تقدم الاهتمام الاميركي بإعادة ترتيب وضع سوريا، وإهمال الشق الاقتصادي والدبلوماسي في لبنان، ولو على حساب البُعد الامني فقط، لجهة عمليات القتل الاسرائيلي والعمليات الاستخباراتية في البلد ككل.
تتباهى إسرائيل بأن سلاح الجو لديها نفذ أكثر من 1000 غارة من وقف النار، وأن خيارات العملية العسكرية الواسعة على الطاولة، في ضوء اقتراحات قيادة الاركان الاسرائيلية «لحكومة العدوان» برئاسة بنيامين نتنياهو لمهاجمة لبنان في حرب واسعة من شأنها أن تجلب الدولة اللبنانية إلى طاولة التفاوض المباشر، بعد اضعاف إضافي لقدرات الحزب، في ضوء التقارير الاسرائيلية عن إعادة بناء الترسانة العسكرية الخاصة به..
فضلاً عن أن كاتس ورئيس الاركان إيال زامير أبلغا رئيسة بعثة الامم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت عن «عودة قوية إلى الجبهات»..
يعرف الرئيس عون، ومعه الحكومة أن لا غطاء اقليمياً أو دولياً على لبنان، للحدّ من المخاطر التي تستهدفه، ومن هذه الوجهة ، تجري الترتيبات الداخلية لتنشيط التفاهمات الوطنية على ما عداها، مع الاخذ بعين الاعتبار، عدم ادارة الظهر للمحاولات الجارية، لعدم توريط البلد بحروب جديدة..
على ساحة الجنوب امتداداً إلى البقاع تكسرت أنماط من المعادلات والاستراتيجيات، بإعطاء الفرصة دولياً لإسرائيل للتحكم بمسار ما يحصل من موقع التفوق الجوي والتقني والتسليحي، فضلاً عن سكوت المدافع على الجبهات كافة، وغياب المسيَّرات عن سماء اسرائيل، ومياهها الاقليمية والنقاط الاستراتيجية داخلها..
ولا تكتفي دولة العدوان بكل ذلك، بل تلجأ إلى الحرب الغادرة، عبر المسيَّرات والغارات، والسعي إلى استراتيجية الابادة، بدل حسم المعركة وفرض الشروط.
تتفق اسرائيل والولايات المتحدة، وبعض دول «الناتو» على النظر إلى الجغرافيا المحيطة بإسرائيل بأنها جغرافيا محروقة أو ميتة، بانتظار أن تخلو من أسلحة حركات المقاومة، التي قتل الكثير من قادتها، والقضاء عليها من أولوية الحسابات الاستراتيجية المعادية..