ظن البعض ان رئيس الجمهورية جوزاف عون تسرّع بعض الشيء بكلامه عن ضرورة مواكبة لبنان لقطار التسويات الجارية في المنطقة بعد اتفاق وقف اطلاق النار في قطاع غزة، والكلام الأميركي عن إطفاء الحروب والتوجه نحو السلام. لكن الرئيس عون حسب مصادر متابعة لم يقل كلامه من عبث، بل بناء لمعطيات تراكمت لديه خلال زياراته الأخيرة للخارج ومنها وأهمها زيارته الى نيويورك ولقائه وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، ومن ثم اتصالاته العربية المكثفة على هامش مشاركاته في الفعاليات العربية المتعددة.
وفي اعتقاد البعض ان كلام الرئيس عون مبكر قليلاً نظراً للغموض المحيط بإتفاق غزة وتنصّل الكيان الإسرائيلي منه عبر استمرار عدوانه على أهالي القطاع المحتل، وتنصّله من كل الاتفاقات التي عقدها مع الفلسطينيين منذ اتفاق أوسلو حتى الآن، ومع لبنان أيضاً قبل نحو سنة بإتفاق وقف الأعمال العدائية. إضافة الى الغموض المحيط بما يُحكى عن تسويات سلمية بين العرب وكيان الاحتلال وعدم طرح تفاصيلها وكأنها متروكة للحظات الأخيرة، حيث يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى فرضها بالقوة كما أعلن مراراً، ومن دون معرفة المكاسب والحقوق التي سيحصل عليها العرب من تبعات هذه التسويات، وبخاصة الدول التي لا تزال إسرائيل تحتل أراضيها مثل لبنان وسوريا عدا فلسطين.
ولعلّ مخاوف البعض مشروعة لجهة ان اتفاق غزة يعني وضعها تحت وصاية دولية والسيطرة الأمنية والسياسية والاقتصادية على القطاع من دون البحث في مستقبل القطاع ولا مصير الكلام عن حل الدولتين ولا تحرير القدس الشريف، وهي تنعكس مخاوف مشروعة مما يخطط له الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية لمستقبل جنوب لبنان، بظل الكلام الأميركي ان إقامة منطقة اقتصادية في القرى الحدودية خالية من السكان وتُشكّل عملياً منطقة أمنية عازلة للإحتلال يتصرف فيها كما يشاء.
وثمة من يسأل ما الذي يمكن أن يُقدّمه ترامب بعد كل مواقفه خلال سنتي الحرب في غزة ولبنان، من إضافات تفيد لبنان خلال أي تفاوض بالتوجهات الأميركية – الإسرائيلية، بعدما تبيّن خلال كل هذه الفترة ان مصلحة الكيان الإسرائيلي هي المتقدمة على مصالح لبنان وفلسطين وكل العرب؟ وكيف يمكن أن يتعامل لبنان مع «سلام ترامب» الذي يريد أن يفرضه بالقوة وبشروطه؟
ولعلّ الرئيس عون يدرك هذه المعطيات لذلك أوضح ان أي مفاوضات مع الاحتلال تنطلق من تجربة ترسيم الحدود البحرية التي جرت برعاية أميركية ودولية مباشرة ولكن ليس بالقوة، ولو ان لبنان خرج من الاتفاق البحري خاسراً بحيث لم يتمكن من استثمار أي بقعة من النفط والغاز في مياه المنطقة الاقتصادية الخالصة، بعكس الاحتلال الذي أنهى التنقيب والاستخراج وصولا الى بيع منتوجه من حصته البحرية.
لكن هذه المرة يفرض الرئيس عون شروطاً لا بد منها قبل أي بحث في أي تسوية، وملخصها إلزام الاحتلال بتطبيق ما يتوجب عليه من اتفاق وقف الأعمال العدائية، لجهة وقف الاعتداءات والانسحاب من النقاط الجنوبية المحتلة وتحرير الأسرى وإطلاق عملية إعادة إعمار ما هدّمه العدوان، وهو الأمر الممنوع عليه حتى الآن بحجة عدم جمع سلاح حزب الله في جنوبي نهر الليطاني، مع ان الجيش اللبناني أكد أكثر من مرة ان جنوب الليطاني بات نظيفاً إلّا من تبعات الاحتلال الذي يمنع حتى استكمال انتشار الجيش ورفع الانقاض أو إصلاح القليل من البنى التحتية المتضررة.
وثمة عائق آخر أمام أي تسوية سلمية يمكن أن يدخل بها لبنان، وتكمن في موقف أغلبية الدول العربية الحذِر من الذهاب نحو التطبيع المبكر مع كيان الاحتلال كما يريد ترامب ويسعى لتحقيقه، قبل الاتفاق المسبق على حقوق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وتحرير الأراضي العربية المحتلة. لذلك إذا كان لا بد من السلام، يجب أن يكون عربياً وبشروط عربية لا سلاماً إسرائيلياً – أميركياً من دون إعطاء كامل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، عندها ينتهي فعلا الصراع العربي - الإسرائيلي، ولا يبقى ناراً تحت الرماد يُشعِله الاحتلال مجدّداً ساعة يريد. وآخر كلام رئيس الكيان بنيامين نتنياهو أمس: إن المعركة لم تنتهِ. وكل من سيرفع يده علينا يدرك أنه سيدفع الثمن غالياً!