بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 شباط 2025 12:01ص صدمات ترامب الكبرى

حجم الخط
ما كان أحد يصدّق ما يسمعه اليوم، مثل هذه التصاريح القوية والحادّة والنارية التي تصدر عن الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، والعائد بعد ولاية الرئيس جو بايدن، قطعا لا يصدّقها سامع بأذنيه. ولكن الرئيس ترامب، هو حتما الرئيس الأميركي المناسب، لإطلاق مثل هذه التصاريح، لأنه يمتلك من العفوية، ما يمكنه من قول ما لا يُقال، في السياسات العالمية.
أميركا العميقة، انتظرت قرنا، كانت تستعدّ طواله، لتقول ما في جعبتها، لتفرغ ما في جوفها، ومن هو الرئيس الأنسب لها من دونالد ترامب، المعروف، بمثل هذه السجايا، وبمثل هذه الجراءة، وبمثل هذه البساطة، وبمثل هذه الشجاعة، التي لا تحسب حسابا لأحد، مهما عظم شأنه. دعته أن يقول ما يقول، ولو كان هذا القول يهزّ الأرض من أركانها، ولو كان يزلزل الدولة العظيمة والمتعاظمة، ولو كان يجعل البعيد ترتعد فرائصه، فيجعله ينكب للذقن.
لا أحد يصدّق أن الرئيس دونالد ترامب، هو الذي يقول، ولو أننا نعتقد، أن لا أحد بين الرؤساء الأميركيين، يحوز على الصفات والمواصفات، التي تجعله، في لحظة من اللحظات، يكاد يكشف المخبوء في قاع الإدارة الأميركية، ويظهره للعلن، ويفشي سرّه أمام الأعداء والأصدقاء والعملاء، إلّا الرئيس دونالد ترامب نفسه.
 أنا أحييه حقا، على هذه الشجاعة الأدبية، التي كشف بها بعض أسرار وسياسات الدولة العميقة، في الإدارة الأميركية. ظلت تتستّر على ما في نفسها وتخفيه على الناس، حتى جاء من الرؤساء الأميركيين، من لا يداري، من لا يحابي، من لا يخشى عاقبة، ولا يخشى نهاية.
الإدارة الأميركية العميقة، اشتغلت على تحضير الرئيس دونالد ترامب، لهذه اللحظة، منذ رئاسته الأولى، قبل أربع سنوات. جعلت العالم يرجوه أن يرث اليوم جميع القضايا والمسائل والنتائج العالمية، لما عرفوا فيه من عفوية ودماثة، تتأبى عن التخويض في الحروب، وتتلمّس جميع السبل، لإطفاء الحرائق على الجبهات، ولإنعاش مسيرة السلام، التي يتشوّق لها الناس، بعدما كوتهم الحروب بنيرانها.
وخلافا، للمعهود في سياسة الرئيس ترامب السابقة، كرجل مدني ممتلئ بالحياة المدنية، نراه اليوم، يخلع البزّة المدنية، ويرتدي بزّة الحرب، ويصول ويجول، ويعتلي المنابر، ويستدعي الإعلام، لتصاريحه الكبرى المدوية.
بدا الرئيس ترامب، منذ عودته المظفرة إلى البيت الأبيض، أنه يستطيع أن يلعب «الصولد»، للإدارة الأميركية العميقة. فقد صار مستقبله ورائه، وصارت الإدارة الأميركية العميقة أمامه. ولم يعد هناك ما يخشاه، ولا من يهابه: يعي جيدا كرئيس عائد، في ظل الديمقراطية المتراجعة، أن عليه فورا، أن يدخل في خدمة الإدارة العميقة، التي اختارته رئيسا عائدا، لتنفيذ ما مهّد له طيلة ولاية الرئيس الديمقراطي، جو بايدن الآفلة.
كشفت الإدارة الأميركية العميقة، نفسها بنفسها، من خلال تصاريح الرئيس دونالد ترامب الصادمة، إنه الطموح الأمبراطوري الذي يشكّل القاعدة لتمثال الحرية في نيويورك. تريد أن تستعيد دور بريطانيا العظمى كبلاد لا تغيب عنها الشمس. تريد غرانلاند وقناة بنما وكندا اليوم في القارة الأميركية نفسها دفعة واحدة. ولا ندري ماذا تخفي في نفسها. تريد لإسرائيل أن تتمدد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. تريد إنتهاك سوريا ولبنان والأردن ومصر والعراق، في المرحلة الأولى، وكذلك تهجير أهالي غزة. تريد الصين وأوكرانيا وروسيا أيضا، لِمَ لا.. وعينها طامحة إلى ظلها في أصل العالم.
صدمات كبرى، تنطوي عليها تصاريح الرئيس دونالد ترامب، وما خفي أعظم. فأميركا، كما تريدها الإدارة العميقة، وتعكسها تصاريح الرئيس دونالد ترامب، دون خجل أو وجل، هي أنها فقط: سيدة البحار، وسيدة اليابسة. فكل شيء يجب أن يدور في فلكها، وكل مال في العالم، يجب أن يمرّ بخزانتها، وأن تعود فائدته عليها.
حقا إنها تصاريح صادمة: تهدّد أميركا العميقة، بلسان الرئيس دونالد ترامب القاصي والداني بترسانتها الحربية، وبخزانتها المالية. فهذا العصر، هو عصرها، وقد اشتغلت عليه طوال مائة عام، حتى جاء الرئيس دونالد ترامب، ليحققه، في ولايته الثانية.
صدمات الرئيس دونالد ترامب الكبرى متوقعة. فلا ننسى أنه جريء في نفح إسرائيل ومنحها، من كيس غيره. أليس هو الذي منحها القدس والجولان، وما تحتاجه من مال وسلاح وقدرات لوجستية وحربية. وها هو يبدأ اليوم، بما إنتهى إليه في ولايته السابقة: يريد أن تكون الولايات المتحدة في عهده الثاني، شريكة العالم كله، في ماله وسلاحه. فكل داخل هو له، وكل خارج أيضا.
الرئيس دونالد ترامب، يريد من خلال تصاريحه الصادمة، أن يخرج ثيران العالم، إلى ملاعبه في فلوريدا، يلوّح لها بالأعلام الحمر، لعلّها تندفع نحوه في برهة طيش منها، فيوقع بها. فالشرق وربما العالم كله، بنظر الإدارة الأميركية العميقة، ليس إلّا مجرد حيوان ثمين صالح للذبح!