بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 آذار 2026 12:10ص صراعات الدولة العميقة في لبنان ومخاض بناء الدولة الدستورية

حجم الخط
تزايد في الفترة الأخيرة الحديث من قبل حقوقيين وناشطين عن «الدولة العميقة» التي ما زالت تتحكّم في القضاء العسكري والأجهزة الأمنية وغيرها من مفاصل الدولة، ولا سيّما في ملفات موقوفين على خلفية مساندة قضايا الشعب السوري ومظلوميته. فما هي هذه الدولة؟ وما حيثياتها على الساحة اللبنانية؟
يروي أحد المتقاعدين أنّه في مطلع خمسينيات القرن الماضي وخلال حوار مع زميل له في باحة الثكنة قال «نحن متساويان في الرتبة والواجب ومرجعيتنا واحدة هي الدولة» ابتسم الآخر وأجابه بهدوء «لا، لسنا متساويين، أنا تقف خلفي مؤسسات ومرجعية أكبر من الدولة وأنت لا أحد خلفك» لم تكن العبارة استعراضاً شخصياً بقدر ما كانت توصيفاً مبكراً لاختلال بنيوي في ميزان القوة داخل الكيان اللبناني الناشئ، دولة رسمية ضعيفة في مقابل شبكات نفوذ متجذّرة تتجاوزها.
بعد عقود، وتحديداً في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف تكرّر المشهد بصورة مختلفة في دائرة تسجيل السيارات المركزية حين قال أحد السماسرة إن «كلمة الفصل في تسيير العمل في كل الدوائر ليست للدولة بل لزعماء الاتفاق الثلاثي» في الحالتين يتراجع الكيان الدستوري إلى الخلف ويتقدّم ما يمكن تسميته بـ«العمق غير المرئي» إلى الواجهة. بين القصتين تاريخ طويل من تشكّل دولتين عميقتين تتنازعان لبنان حالياً وتؤجّلان ولادة الدولة الدستورية الحديثة.
للعودة إلى جذور الدولة العميقة الأولى لا بدّ من التوقف عند مرحلة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920–1943). خلال تلك الحقبة لم يُبنَ الكيان بوصفه دولة مواطنين متساوين بل رُسِّخت فيه كما في سائر المستعمرات منظومة امتيازات لمكون محدد ارتكزت إلى مؤسسات تعليمية كبرى، مستشفيات، أطر وقفية واسعة، شبكات مصرفية وإعلامية، احتكار التلزيمات وعلاقات خارجية مباشرة تتجاوز القنوات الرسمية. هكذا نشأ «مجتمع مؤسسي موازٍ» يملك من الموارد والارتباطات ما يفوق بكثير قدرات الدولة الوليدة نفسها.
لم تكن الدولة آنذاك مركز السلطة الفعلية بل كانت مظلّة شكلية لكيانات طائفية واجتماعية واقتصادية تمتلك استقلالاً مالياً وتنظيمياً واسعاً. هذه البنية أنتجت توازناً هشّاً بين كيان سياسي ضعيف ومجتمعات مؤسسية قوية بمستويات متباينة تحتمي بالهوية والمرجعيّة الطائفيّة والارتباط الخارجي.
حاول الرئيس فؤاد شهاب (1958–1964) عقب أزمة عام 1958 التي اهتزّت فيها هيبة دولة الامتيازات الأولى إعادة تصحيح المعادلة عبر مجلس الخدمة المدنية، التفتيش المركزي، مشاريع التخطيط الإنمائي والجامعة الوطنية. سعى إلى تأسيس «عمق دستوري إداري» يحلّ مكان نفوذ الامتيازات التاريخية المتفلّتة. غير أنّ مشروعه اصطدم بتحالف قوى الامتيازات التي رأت في الشهابية تهديداً مباشراً لبنية النفوذ الموروثة، فتراجع الزخم الإصلاحي تدريجياً واستعادت دولة الامتيازات أنفاسها على حساب تراجع ما حققه الرئيس شهاب. وفق مقاربة المفكر السياسي محمود ممداني تفشل الدولة ما بعد الكولونيالية حين تبقى عالقة بين حكم الامتيازات والهويات المغلقة من جهة ومشروع المواطنة المتساوية غير المكتمل من جهة أخرى. في هذا المعنى لم يتحوّل اللبنانيون من «رعايا طوائف» إلى «مواطنين متساوين» بل ظلّت الهويات الوسيطة أقوى من الهوية الوطنية الجامعة.
لم تكن الحرب اللبنانية (1975–1990) مجرّد انفجار أهلي عابر بل كانت تفككاً لبنية امتيازات فقدت قدرتها على ضبط التحولات الإقليمية. الوجود الفلسطيني المسلّح، التدخل السوري والاجتياح الإسرائيلي كلّها عوامل تفاعلت مع هشاشة الدولة. كانت الدولة الرسمية ضعيفة ولم يعد العمق الامتيازي قادراً على إدارة التناقضات فانفجرت البلاد في حرب طويلة كشفت انتهاء صلاحية النموذج القديم.
مع اتفاق الطائف عام 1989 كان من المفترض أن يبدأ مسار بناء الدولة الدستورية عبر استقلال القضاء، إنشاء مجلس شيوخ، إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً وإقرار لامركزية إدارية متوازنة. غير أنّ التطبيق جاء على نحو مغاير. تشكّلت «دولة عميقة ثانية» برعاية النظام السوري آنذاك قوامها ميليشيات الحرب الرئيسيّة. أُعيد توزيع السلطة وفق منطق المحاصصة لا منطق الدستور. استُخدمت خبرات موظفين عارفين بخفايا الامتيازات القديمة، وزُرع الأتباع في مفاصل الإدارة والوزارات وتحولت المرافق العامة إلى مساحات نفوذ. تضخّم التوظيف السياسي، خضعت المالية العامة لتوازنات طائفية ونشأت كارتيلات في قطاعات النفط والمولدات والاتصالات... وفي هذا السياق يقترب لبنان من التعريف الكلاسيكي لـ«الدولة العميقة» شبكة غير منتخبة تملك القدرة الفعلية على توجيه القرار أو تعطيله وتتجاوز في قوتها المؤسسات الدستورية الرسمية.
اللافت أنّ حدود التمايز بين الدولتين العميقتين تآكلت مع الوقت. تلاقى الامتيازي القديم مع الميليشيوي الحديث في تقاطعات المصالح. تزاوج السياسي بالاقتصادي وتداخل الأمني بالإداري وتشكّلت طبقة عابرة للمساءلة. هنا تكمن المأساة، فالصراع ليس بين دولة ولا دولة بل بين عمقين يتنازعان دولة ضعيفة فيما تبقى دولة المؤسسات الدستورية الخاضعة للقانون الحلقة الأضعف.
في الإجابة عن سؤال كيف تعطّلت الدولة الدستورية؟ يمكن تحديد مظاهر التعطيل في خمسة محاور أساسية. يبدأ الأمر بضرب استقلال القضاء إذ من دون قضاء مستقل تبقى شبكات النفوذ عصيّة على المحاسبة. يلي ذلك عدم إنشاء مجلس الشيوخ مما أبقى مجلس النواب أسير القيد الطائفي. ثم غياب اللامركزية الإدارية فاستمرت المركزية مدخلاً للاحتكار السياسي لزعماء الحرب، ويحمي هذه البنية تشويه قوانين الانتخابات بما يضمن إعادة إنتاج الطبقة ذاتها. وأخيراً، التداخل الأمني والسياسي عبر استخدام ملفات أمنية لتصفية الخصوم وترهيب الناشطين. بهذا المعنى انتقل لبنان من امتياز تقليدي إلى محاصصة ميليشيوية من دون المرور بمرحلة المواطنة المتساوية.
الخروج من الحلقة لا يكون بالانحياز إلى أحد العمقين لإسقاط الآخر بل ببناء عمق ثالث، عمق دستوري مؤسسي. ويتطلّب ذلك سلطة قضائية مستقلة فعلياً، تحرير التشكيلات من النفوذ السياسي، إنشاء مجلس شيوخ يمثّل الطوائف ويفتح الباب أمام مجلس نواب خارج القيد الطائفي، إقرار لامركزية إدارية تنموية تعيد توزيع الموارد والقرار، سنّ قانون انتخاب حديث يعزّز المواطنة واعتماد شفافية مالية صارمة تفصل بين المال والسياسة.
فالمعركة الحقيقية في لبنان ليست بين يمين ويسار ولا بين محورين إقليميين وطوائف بل بين قوى أمر واقع متجذّرة ودولة مواطنين لم تولد بعد. ويبقى السؤال الجوهري هل ينجح اللبنانيون أخيراً في تحويل الدستور من نصّ معلّق إلى قوة حيّة تنتج «دولة عميقة إيجابية» قوامها الإدارة الفعّالة والمساءلة والمواطنة المتساوية على نحو ما سعى إليه الرئيس شهاب؟ أم يبقى الكيان أسير صراع عمقين يتنازعان دولة لم تكتمل؟
إنّ مستقبل لبنان لا يُحسم في ميزان القوى بين شبكات النفوذ بل في قدرة المجتمع على إعادة تعريف الدولة بوصفها إطاراً جامعاً لمواطنين متساوين أحرار لا ساحة امتيازات متوارثة ولا مزارع محاصصة متجددة. هنا فقط يبدأ الخروج من الحلقة الجهنمية لانحدار الكيان إلى أفق دولة المؤسسات الدستورية الحديثة القابلة للحياة.