د. سمير حمود
سبق وأن أطلقت على هذا المشروع إسماً مجازياً بأنه قانون «عدم الرضى» الذي لا يحقق المطالب القُصوى لأي طرف ولا يجعل أحداً سعيداً تماماً لكنه يخفف الخلاف ويُحقّق قدراً من الاستقرار والعدالة لأن كلّ طرف يتنازل عن جزء من مطالبه مقابل الوصول إلى اتفاق.
هذا ما سعى إليه كل من وزير المالية ورئيس الحكومة لأن استمرار الحال على ما هو عليه ولمدة تزيد عن ست سنوات لا يُمكن أن يُحافظ على الانتظام النقدي والمالي ولا أن يُعيد للمودع أمواله المحجوزة قصراً ودون وجه حق ولا يُمكّن المصارف من إعادة دورها في استقطاب المدخرات لأجل تمويل الاقتصاد وتحقيق النمو والازدهار،ويضاف إلى كل ذلك اجراء الملاحقة والمحاسبة لتنقية الأصول غير المنتظمة.
واهمية المشروع انه وضع امام السلطة التشريعية مادة للنقاش ويفتح الباب واسعا لإحداث تعديلات من شأنها ازالة الغبن عن اي طرف،إن وجد،ويحافظ على المصلحة العامة ودور كل طرف في اعادة الانتظام العام،ولا يخفى على احد ان المشروع ليس مثاليا او كاملا بل يحتمل التغيير محافظا على مبدا العدالة والإنصاف وإحلال التوازن بين الإمكانيات المتوافرة والالتزامات التي فرضها المشروع على كل طرف من الأطراف المعنية في تطبيق وتنفيذ هذا القانون
تناول المشروع نقاط هامة،لا يمكن في إطار النكد السياسي،تجاهلها. توجه المشروع الى الأطراف الثلاثة لتحديد المسؤولية وهم الخزينة، مصرف لبنان والمصارف اللبنانية قبل أن يتوجه الى المودع بأي تصحيح في ودائعه.
الخزينة مسؤولة وتتحمل العجز الحاصل في المصرف المركزي وفقا للمادة رقم ١١٣ من قانون النقد والتسليف،إضافة الى تحملها دون أي تردد مسؤولية الدين العام،المتمثلة بسندات اليوروبوندز،وهي في اعترافها لهذه المسؤولية لا يغيب عن بالها أن البلاد،إضافة الى أزمتها النقدية والمالية،تواجه مصاعب اجتماعية واقتصادية وانمائية وإعادة إعمار تستوجب كلها إيرادات وموارد مالية تدور في فلك الزيادات في الضرائب والرسوم في ظل اقتصاد منهك يحتاج الى الحوافز والتشجيع للنهوض واستقطاب الرساميل وتعزيز القدرة الشرائية لأجل الإنفاق ودعم الحركة الاقتصادية وتنمية الناتج المحلي مع التحوط لسقف استدامة الدين العام في حال التوجه نحو الصناديق وبيوت المال الدولية
مصرف لبنان، الذي بقي صامداً خلال هذه الفترة،لم يكن له ليستمر وينجح في استقرار سعر صرف العملة الوطنية لو لم يُبق بين يديه موجودات سائلة بالعملة الأجنبية تعود بكاملها إلى المصارف ولحساب المودعين دون سواهم. كما أن السياسة المالية،التي اتجهت الى تحسين الجباية وبأسعار العملة الأجنبية الرائجة والتقشف في الإنفاق ولو على حساب القدرة الشرائية لكافة إدارات القطاع العام وتراجع مستوى الخدمات لهذه الإدارات، ساهمت بصورة مباشرة في تمكين مصرف لبنان من إبقاء سعر صرف العملة الوطنية على حاله دون أي تأكيد أن هذا الاستقرار هو دائم، إذا لم ننتقل الى حال الانتظام المالي وإعادة دور القطاع المصرفي.
والمصارف التي لا يجوز إنكار دورها الفاعل على مدى خمس وأربعين سنة ومنذ عام 1980 حين أخذت على عاتقها الاستمرارية في خدمة الاقتصاد المحلي بعد الغياب الذي أحدثته المصارف الأجنبية العاملة في لبنان من جرّاء إقفال مصارفها وفروعها والانتقال إلى دول أخرى إلا القليل منها الذي استمرّ لتاريخه والذي لم يعد يُشكّل في أحجامه نسبة كبيرة من السوق المصرفية بعد أن كانت المصارف الأجنبية قبل عام 1980 توازي حوالي 75% من حجم السوق المصرفية.
الاستمرار في السوق المصرفية اللبنانية تطلّب تحديث الإدارة والحوكمة والمعلوماتية وتعميق ثقافة الخدمة المصرفية و استقطاب الرساميل والودائع ومنح القروض والتسهيلات لأجل تمويل الاقتصاد وإحداث النمو في الناتج المحلي.
كل ذلك، لا يمنع القول أن التزامات المصارف تجاه مودعيها يجعلها مسؤولة عن تعرّض الودائع للحجز وعدم التصرف بها من قبل أصحابها، غير أن هذه المسؤولية يقابلها وجوب الالتزام بالسلطة النقدية وسياستها والتي خلصت إلى تركيز حجم إيداعاتها المصرفية لدى مصرف لبنان عوضاً عن توزيعها ولم يكن التجاوب مع سياسة مصرف لبنان هو من باب الالتزام فقط بل أيضاً من اجل الحفاظ على استمراريتها في السوق لأن عدم الدخول في حلقة السياسة النقدية التي اعتمدها مصرف لبنان يجعل من المصارف غير قادرة على تغطية أكلافها أو استقطاب موارد إضافية لضمان استمرارها.
يأتي هذا المشروع ليُصيب المصارف بخسائر كبيرة ومتطلبات رسملة جديدة لكنه أيضاً يعيد المصارف كلها إلى مصارف صغيرة في حجم ودائعها ومتفاوتة الحجم في رساميلها وأصولها وإداراتها وقدراتها على الاستمرارية ولن تكون المصارف عاجزة عن مواجهة متطلبات المشروع إذا ما تحملت مع مساهميها مسؤولية الأزمة وانعكاسها على كافة الأطراف.
ويبقى المودع، الذي كدّ وجهد وتعب ووثِق بالنظام المصرفي اللبناني،ليعود إلى معاناته السابقة التي شهدها خلال الفترة ما بين عام 1984 و 1992 وبصورة أشد قساوة ومرارة.
لم يغفل مشروع القانون معاناة المودع وكان الانتباه شديدا للمودع الصغير بحيث حرص على تسديد الودائع التي تقل عن ١٠٠ الف دولار خلال فترة تقل عن ٤ سنوات وتسديد الودائع لغاية ١٠٠ الف دولار خلال مهلة ٤ سنوات وهذه الشريحة توازي ٨٥٪ من مجموع الحسابات الموقوفة بتاريخ اقرار هذا المشروع.
اما التصحيح الذي أطال الودائع فإنه يحتمل النقاش حول صحة السند القانوني له وإمكانية تطبيقه دون إنحراف أو تشويه، والخطوة الاولى في التسديد النقدي لن يكون انعكاسها على تزويد المودعين بكامل أو بجزء من حقوقهم فحسب بل هي كفيلة بضخّ أموال في الاقتصاد من شأنها المساهمة في نمو الناتج المحلي.
وإذا كان الجزء الأول مرناً فان التسديد يحتاج إلى جهد كبير وتصفية بعض الأصول ولا يتجاهل المشروع اهمية الودائع الكبيرة لأن القطاع المصرفي في أي بلد لا يستطيع الاستمرار في العمل ما لم يكن قادراً على استقطاب كبار المودعين ولأن الثقة بهذا القطاع لن تتوفر بسهولة ما لم يُشكّل المشروع في برنامج السداد المطروح وفي برنامج إعادة الرسملة المطروحة عناصر ثقة متجددة لدى المودعين ويبقى هذا التحدي كبيرا جدا امام المصارف ومصرف لبنان والخزينة العامة.
ويأتي المشروع ليُقرر برنامج سداد السندات أو الشهادات المالية مدعوما بإيرادات موجودات مصرف لبنان وأيضاً بعائدات تصفية هذه الموجودات في حال حصولها ودون أن يتعارض ذلك مع القوانين السائدة ولا سيما القانون رقم 86/42 تاريخ 24/9/1986.
وفي الختام، يأتي هذا المشروع ليطرح خطة قابلة للنقاش، للتعديل، للرفض والقبول من قبل المجلس النيابي.
المشروع بُنِيَ على أرقام تقريبية ولن تكون الأرقام نهائية إلا من خلال إقرار المشروع وتطبيقه وذلك خلافا لما يعتقد البعض إنه بُنِيَ على فراغ او في ظل غياب تقديرات تقارب الواقع.
إنه مشروع قانون إطار كان للحكومة كامل الجرأة والصدق في إعداده وهي مدركة أن الأطراف كافة غير راضية عنه بصورة كاملة لكن المماطلة والتسويف لن تعود على المودع بحقوق أعلى ولن تعود على المصارف بقدرة أعلى لمزاولة دورها الاقتصادي ولن تعود على مصرف لبنان بامكانية اعلى لممارسة دوره كسلطة ناظمة للقطاع المصرفي والمالي أو كسلطة نقدية مساهمة في الاستقرار والانتظام المالي.
مسؤولية الحكومة أولاً وأخيراً أن تتقدم بما هو ممكن وحقيقي ومتوفر وأن توزع الإمكانيات على بنود الاتفاق، فإذا ما تنامت الامكانيات تسارع في السداد كما ورد في المشروع
إنها «صفحة طويت»، لتفتح صفحة جديدة مع نقاش جدي في المجلس النيابي وإن كان من نواقص في المشروع فالأمل كبير أن تُسدّ هذه النواقص بقرارات المجلس النيابي الكريم.