"بين الإيمان والكفر، شعرة"، وبين "النجاح والفشل"جهد وإيمان عميق بأهمية النجاح وهناك دائمًا من يمتلك القرار والانتماء، وهناك من يملك الأهداف الشخصية التي تروج لسياساته، ضاربًا بعرض الحائط الفرص التي قد تُحدث فرقًا. ومدينة طرابلس، التي تم اختيارها "عاصمة للثقافة العربية لعام 2024"، ليست سوى ضحية لهذه السياسات الضيقة.
فهل من العدل أن تبقى طرابلس رهينة صراعات المصالح؟
لم تكن طرابلس في يوم من الأيام بعيدة عن الثقافة والفن والأدب. إنها مدينة تختزن في طياتها تاريخًا عميقًا، وأثرًا حضاريًا عظيمًا، وكثير من المواقع التراثية التي تؤهلها لأن تكون عاصمة ثقافية حقيقية في قلب لبنان. لكن وللأسف ضاعت الفرصة التي كانت ستُحيي المدينة وتعيدها إلى مكانتها الحقيقية بين المدن الثقافية الكبرى.
السبب ليس في قلة الإمكانيات الثقافية للمدينة أو غياب المقومات التي تجعلها تبرز على الساحة الثقافية، بل يكمن في عدم اكتراث المعنيين بهذا الملف. فالمسؤولون الذين يتربعون على عرش الوزارات ذات الصلة لم يكن لديهم هم سوى مصالحهم الشخصية. فبدلاً من استثمار هذا الحدث التاريخي في دفع عجلة المدينة نحو الأمام، تمّ استخدامه كأداة لترويج السياسات الشخصية على حساب النهوض الحقيقي بطرابلس.
"الفرصة التي تبخرت"
اليوم، تبخرت الفرصة التي كانت قد أُتيحت لطرابلس، ليس بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب الإهمال والتقصير. والسبب في ذلك يعود إلى أن السياسات المعتمدة لا تهتم بما يمكن أن تقدمه المدينة وأهلها، بل تركز على المكاسب الشخصية الضيقة، مما جعل طرابلس تبقى بلا معيل، بينما كانت هي تستحق أن تكون ركيزة للثقافة والفن في لبنان والعالم العربي والدولي وهنا لا بد من ذكر أن جمعية تراث طرابلس لبنان وعلى رأسها إبنة طرابلس الدكتورة جمانة الشهال تدمري كانت الجهة الوحيدة التي أخذت على عاتقها مسؤولية تمثيل المدينة على المستويين المحلي والدولي بهدف إبراز قيمتها الثقافية والإقتصادية ، ومن هنا جاءت فكرة Focus Tripoli بالتعاون مع المعهد العربي في باريس ، الذي إستضاف أسبوع طرابلس من 22 إلى 24 نوفمبر، ليعرّف العالم بجوهر هذه المدينة كواحدة من عواصم الثقافة العربية، وقد تميزت فعاليات الحدث بطابعه اللبناني الأصيل حيث نقل عبر المعهد العربي أحد أهم المراكز الثقافية العالمية صورة مشرقة لطرابلس على مدى ثلاثة أيام تم فيها عرض الفنون ، الموسيقى ، التراث ، المطبخ ، المؤتمرات ، المعارض ، السينما، المسرح، الشعر والكتب .
هذا الحدث والذي إستقطب إهتمام 100,000 مشترك في المعهد وملايين المتابعين عالمياً، أظهر طرابلس كمدينة غنية بتراثها الثقافي والفضل يعود لجمعية تراث طرابلس لبنان وشركائها.
وبينما كان هذا النجاح يسطر في باريس التي جسدت طرابلس كعاصمة دائمة للثقافة العربية تتبارى مع كبرى المدن العربية الأخرى، أهدرت فرصة الإحتفال بطرابلس كعاصمة ثقافية بسبب ضعف التنظيم وغياب التخطيط الحكومي بحيث لم تتعد الفعاليات المحلية نطاق المدينة وسكانها .
في النهاية، ستظل طرابلس تبحث عن فرص جديدة للنهوض، لكن الأمل يبقى في أن يأتي يوم يستعيد فيه أهل المدينة قدراتهم على تغيير الواقع، ليقفوا ضد هذه السياسة الإقصائية التي لن تفيد سوى أصحاب المصالح الشخصية، بينما تُبقي طرابلس في الظل بعيدًا عن الأضواء التي تستحقها.