بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 تشرين الأول 2025 12:00ص عسكرة المراقد

حجم الخط
اختلف على البلاد أقوام كثيرة، جاءوا إليها من شتى أصقاع الأرض، إما مهاجرين أو فاتحين أو مبشّرين أو مستعمرين، أو مستوطنين. كان لكل منهم غرضه وشأنه، بل أغراضه وشؤونه. نزلوا في هذه البلاد، وعاشوا على خيراتها، وتوارثوا أرضها لأجيال وأجيال، وصار لهم فيها مقدمين ومبجّلين وقادة كتبوا على الصخور أياديهم الصنّاع، ونقشوا على جدرانها المسلات والجداريات، وباتوا يفاخرون بها، ويحامون عنها، ويعتبرونها من الكرامات ومن المقدّسات.
ويوما بعد يوم، وجيلا بعد جيل، صار لهؤلاء الأقوام والجماعات منازل ومعابد ومدافن ومقابر ومراقد. وكانت كل فئة وطائفة، تصنع الزيارات لها، وتقيم الاحتفالات حولها، وتنشئ لها المناسبات، لأجل شدّ العصب والتعالي على الآخرين. ومضوا على تلك العادات والتقاليد، أجيالا وأعواما وقرونا، حتى باتت الجماعات كلها تتباهى في سوق المزادات وفي سوق المزايدات، وفي سوق المباهلة، و في سوق المباهاة.
كانت البلاد كلها، سوقا عظيمة للعبادات كلها. بنوا فيها وإبتنوا عليها وإغتنوا. ونشأ لهم بتوالي القرون ثقافات تحفظ قديمهم، وتزيد من الجديد عليه، حتى صار الجميع في الهمّ سواء، وأصبحوا على بلاد تضيق بهم وبما جاءوا به، بحيث لم تعد تحتمل زيادة لمستزيد.
كانت الأطماع بل المطامع، من شتى الأشكال والألوان، هي التي تنفح فيهم من روحها، وتقوّي عندهم الساعد والعضد، وتجعل الولاية عليهم من الأقدار، فيهبونها التبجيل والتقديم والتنظيم، ويجعلون لها الكرامات والحفاوات، وينشئون فيها المعابد والمحافل، حتى تكون أقوى، إذا ما نهض لهم، من يريد النفوذ والإمرة والسيادة.
كانت حياة القدامة، تقوم على شدّ العصب الديني والعشائري والطائفي والقبلي والقومي. ومضت علينا الأزمنة التي تداولتنا بأغراضها، وصرنا بعد تكاثر الأعداء علينا، أحوج أن تكون بلادنا يدا واحدة.
فقد آلت بنا الأحوال إلى سوء التقدير في الحرب والسلم، وفي الإجتماع علينا، سلبا ونهبا وإستعمارا وإستيطانا، حتى غدونا فريسة لكل غاصب، شهر السلاح الأقوى في وجوهنا.
أتت علينا الحرب الأخيرة التي شنّتها إسرائيل، ومعها حلفاؤها ومؤيدوها، فأهلكت عندنا الغرس والضرع والزرع، وأصابت منا مقتلة عظيمة. خسرنا المعركة وخسرنا الأرض وخسرنا الدور، ومنع أهلنا من العودة إلى قراهم بحجج شتى، كان أكثرها إيلاما، «إتفاق وقف النار»، الذي أذعنّا لتوقيعه، حتى نوقف آلة الذبح فوق أعناقنا.
أتى هذا الإتفاق المذلّ، لأننا خرجنا من الحرب أذلّاء، كسرت شوكتنا، وقُتل قادتنا، وإستبيحت أرضنا وسُبيت قرانا. فوقّعت الحكومة على شروط وقف النار، كما نادت الشروط علينا، بألا نعود لحمل السلاح بعد ذلك، وبأن تكون للعدو اليد الطولى لعدم العودة إلى الحرب مرة أخرى.
كان لا بد أن تعود الدولة، لأخذ دورها في المراقبة، منعا للإستهتار بنا مرة من قبل العدو، ومن قبل اللجنة الخماسية، فقالت بحصرية السلاح بيدها، وبنزعه من جميع القوى والفصائل، بعد التهديد والوعيد، من قبل العدو، ومن قبل نذره في المعسكرات الكبرى.
وبدل أن يتعاون الحزب، الذي استجرّ الحرب علينا، مع الدولة، وهو المشارك فيها، وهو الذي رضخ للشروط الذليلة، تحت الضربات الموجعة، التي أودت بحياة القائد ومعظم أركان القيادة، عاد إلى عسكرة المراقد، كما فعل في دمشق، وفي سائر البلدان التي قاتل فيها، فهو يهدّد ويتوعّد، ظنّا منه أن عسكرة المراقد، تنقذ هيبته، وتنقذ سلاحه، لأن سلاحه أعظم من أهله ومن مجتمعه ومن الدولة التي «ينتحل»، ويحتل وزراؤه مقاعد متقدمة فيها.
لم يعد سؤاله نافعا، حين نسأل: هل السلاح أهم من الدولة، خصوصا بعدما سمعنا منه توغّله وتغوّله، وبأنه حاضر لإستعادة كربلاء ثانية، لا على العدو، بل على شعبه الذي سيّده.
لكن السؤال الذي يقفز إلى الأذهان: من الفريق الذي تهدّده، هل هم الأهل الذين فتحوا بيوتهم، حين سدّد الأعداء ضربتهم، وحين استكمل العدوان بالتهجير من الضاحية ومن القرى، ومن كل البيئات التي كانت مستأمنة؟!
الفتنة إذا، ليست خيارا مثاليا، وكذلك عسكرة المراقد. والعودة إلى الرشد أولى، لدى «عقلاء الثنائي»، لأن الفتنة أشدّ من القتل. فإذا ما استطاعت الدولة محاصرة الحرب وإيقافها، فخذوا بيدها لإستكمال خطواتها بحصر السلاح، وجعله كله في يدها، ولو كانت عسكرة المراقد نافعة، لما خسرناها في دمشق، وخسرنا أيضا، التجسير مع سوريا!