بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 أيلول 2025 12:10ص عملية «البيجر» من الرعب اليومي إلى الحرب الذكية: الضربة الاستخباراتية التي هزّت حزب الله (1/2)

حجم الخط
في ظهيرة السابع عشر من أيلول 2024، استيقظ لبنان على حدث غير مسبوق. آلاف الأجهزة الصغيرة من نوع «بيجر» انفجرت في أيدي مستخدميها، معظمهم من عناصر ومناصري حزب الله، في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض المواقع داخل سوريا.
ما بدا في البداية كخلل تقني تحوّل سريعاً إلى كارثة جماعية، حيث غصّت المستشفيات بالجرحى، وتحوّل الخوف من الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى خوف من جهاز صغير يُحمل في الجيب.

• اليوم الأول: لحظة مفصلية

في تمام الساعة الثانية بعد الظهر، وردت التقارير الأولى عن انفجار أجهزة البيجر في مدينة صور. دقائق معدودة، وبدأت المستشفيات تستقبل عشرات المصابين بنفس نمط الإصابات: جروح في الأيدي والوجه، إصابات بالغة في العيون، وحالات بتر متعددة.
الانفجارات لم تقتصر على مدينة واحدة. في الضاحية الجنوبية لبيروت، كان المشهد نفسه يتكرر: سيارات إسعاف تنقل مصابين، وأهالي متجمهرون حول المستشفيات في حالة ذهول وصدمة. كل جهاز انفجر بدا وكأنه مصيدة مصمّمة بدقّة عالية لإصابة المستخدم مباشرة.

• اليوم التالي: كارثة مضاعفة

لم يكد اللبنانيون يستوعبون ما حدث في اليوم الأول حتى جاءت الضربة الثانية في اليوم التالي. هذه المرة، كانت أجهزة «ووكي توكي» اليدوية هي المستهدفة، بانفجارات مماثلة، ما زاد من عدد الضحايا وارتفعت موجة الرعب بين المدنيين.
وزارة الصحة أفادت بأن عدد الجرحى تجاوز الآلاف، فيما بلغ عدد القتلى عشرات، ما أثار مخاوف واسعة حتى بين المواطنين الذين لم يكن لهم أي صلة مباشرة بالحزب.

• هيومن رايتس ووتش: «جريمة حرب محتملة»

في بيان عاجل، اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش العملية قد ترقى إلى جريمة حرب، مشيرة إلى أن: «القانون الإنساني العرفي يحظر استخدام الأفخاخ الناسفة المرتبطة بالاستخدام المدني اليومي، لتجنّب تعريض المدنيين لمخاطر جسيمة وإحداث دمار جماعي كما حدث اليوم في لبنان».
هذا البيان يعكس القلق الدولي من استخدام أجهزة يومية كأدوات هجومية، خصوصاً أن بعض المدنيين أصيبوا بشكل مباشر.

• ارتباك أوّلي ثم تفسير

في الساعات الأولى، كان الإعلام اللبناني مرتبكاً؛ بعض القنوات تحدثت عن خلل في البطاريات، بينما ذهبت أخرى إلى احتمال اختراق استخباراتي. مع تراكم الشهادات والصور، اتجه الرأي العام نحو التأكيد أن ما جرى كان عملية مخططة ومقصودة.

• رد فعل الحزب من الصمت إلى الاحتواء

أصدر حزب الله بيانات مقتضبة وصف فيها ما جرى بـ«العدوان الصهيوني الغادر» وتعهد بالردّ «في الزمان والمكان المناسبين». داخلياً، شرع الحزب في مراجعة قنوات الإمداد والشراء وفحص الأجهزة التقنية الموجودة في المخازن، في محاولة لإعادة بناء الثقة في منظومته الداخلية.

• أسئلة مفتوحة

حتى نهاية الأسبوع الأول، ظلّت الأسئلة أكثر من الأجوبة:
- كيف تسرّبت الأجهزة المفخخة إلى يد الحزب؟
- هل كان هناك اختراق في سلسلة الإمداد؟
- لماذا استُهدف مقاتلون عاديون وعمال مدنيون أكثر من القيادات؟
- هل ما جرى رسالة محدودة أم بداية نمط جديد من الحرب؟
هذه الأسئلة شكّلت محور النقاش في المرحلة التالية، حيث كشفت التحقيقات الإعلامية والاستخباراتية خيوط العملية، ووضعَت ما جرى في سياق أوسع من الحرب السرية بين إسرائيل وحزب الله.

• أصابع الموساد

الصحافة العالمية ووكالات الأنباء الكبرى ركزت على تفاصيل تقنية غير معروفة للجمهور اللبناني، مشيرة إلى أن الموساد الإسرائيلي استخدم تقنية متقدمة لاختراق منظومة الاتصالات الخاصة بالحزب.
مصادر استخباراتية غربية أكدت أن العملية شملت زرع متفجرات دقيقة داخل أجهزة «بايجر» و«ووكي توكي»، بحيث يمكن تفجيرها عن بعد عبر رموز محددة، ما يوضح أن العملية كانت مخططة بدقة عالية.
وكالة رويترز نقلت عن مصادر استخباراتية: «إسرائيل زرعت متفجرات في خمسة آلاف جهاز بيجر مصنوع في تايوان. اللوحة الداخلية تحتوي على مادة متفجرة صغيرة تستجيب لإشارة محددة يصعب اكتشافها بأي وسيلة».
أما صحيفة الـ«غارديان» البريطانية فكتبت: «الكمية الصغيرة من المتفجرات داخل كل جهاز كانت كافية لإحداث إصابات جسيمة أو بتر الأطراف، لكنها ليست كبيرة بما يكفي لتدمير المبنى أو خلق أضرار جانبية واسعة. الهدف كان استهداف العنصر البشري داخل الحزب مباشرة».
خبراء المتفجرات وصفوا العملية بأنها «نموذج للحرب الذكية»، حيث يُدمج الذكاء الاستخباراتي مع التقنية الحديثة لتوجيه ضربة دقيقة دون استخدام القوة العسكرية التقليدية.

• الصحافة العالمية وتحليل العملية

- واشنطن بوست: العملية أكثر تعقيداً من أي انفجار سابق ضد حزب الله، مع تطوير الموساد لتقنية «الأجهزة الذكية المفخخة».
- بي بي سي: ركّزت على البُعد النفسي، واعتبرت أن العملية تهدف إلى زعزعة ثقة عناصر الحزب بأدواتهم اليومية.
- أسوشييتد برس: أكدت أن معظم الضحايا كانوا من العناصر المدنية ضمن شبكة الدعم اللوجستي للحزب، مما يجعل العملية هجومية ذات طابع نفسي استراتيجي أكثر من كونها ضربة قتالية تقليدية.
يتضح أن الحدث لم يكن مجرد حادث تقني، بل بداية لعملية استخباراتية متقدمة.
الهدف لم يقتصر على قتل أو إصابة عناصر حزب الله، بل خلق حالة من الذعر وعدم الثقة داخل أوساطهم. خبراء الحروب النفسية وصفوا العملية بأنها «هجوم نفسي رقمي»، حيث تستهدف حياة الناس اليومية لتوليد تأثير مستمر.

• اكتشاف تفاصيل الأجهزة

بعد الانفجارات، تمكّن خبراء مستقلون من فحص الأجهزة:
- لوحات إلكترونية صغيرة جدا تحتوي على متفجرات دقيقة تستجيب لترددات معينة.
- الأجهزة كانت مطابقة تماماً للنسخ الأصلية، مع استحالة اكتشافها بالمظهر الخارجي.
- المواد المستخدمة دقيقة للغاية، بحيث لا تترك أثراً إلّا في الإصابات البشرية المباشرة.

• إعادة بناء الثقة داخل الحزب

بعد الضربتين، بدأ الحزب بمراجعة شاملة لجميع الأجهزة التقنية، ووضع بروتوكولات صارمة لفحص أي جهاز جديد قبل توزيعه. المصادر الداخلية أظهرت شعوراً بالإحباط والارتباك، خصوصاً أن الأجهزة المستهدفة كانت أدوات أساسية في التواصل بين الوحدات الميدانية.

• الدروس المستخلصة

- التقنية أداة حرب استراتيجية: الأجهزة الذكية المفخخة تمثل تحوّلاً في أساليب الحرب ضد حزب الله.
- البُعد النفسي مهم: إصابة المدنيين والعاملين اللوجستيين تؤثر على معنويات الحزب وفعاليته.
- التحقيقات الدولية تظهر قدرة استخباراتية عالية: الموساد استخدم تقنيات متقدمة لم يكن بمقدور أي طرف آخر تنفيذها بنفس الدقة.
مع انتهاء التحقيقات الأولية وتحليل الأجهزة، أصبح واضحاً أن عملية «البيجر» ليست حادثاً عرضياً، بل نموذج للحرب الذكية والإرهاب النفسي المعاصر. حزب الله أمام تحدٍّ مزدوج: مواجهة الأثر النفسي على عناصره، وإعادة بناء منظومته التقنية واللوجستية في ظل تهديد دائم.

- يتبع الجزء الثاني