بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 شباط 2026 12:05ص عن المالكي الذي رضي أن يكون ورقة إيران التفاوضية نتحدث

حجم الخط
د. جيرار ديب

«تبقى إيران ومحور المقاومة أبدياً ما دام المالكي والإطار في العراق»، بهذه العبارة توجه حزب «الدعوة الإسلامية» الذي يترأسه، نور المالكي، بالشكر لمرشد الجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، على دعم ترشيح المالكي إلى منصب رئيس مجلس الوزراء.
هذا وكان «الإطار التنسيقي» المؤلف من أحزاب شيعية، والذي يتملك الأغلبية في البرلمان العراقي، قد حسم اختيار رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، مرشحاً لمنصبه السابق مرة أخرى. وكان المالكي ترأس منصب الوزراء لدورتين متتاليتين (2006-2014)، كما وتولى منصب نائب رئيس الجمهورية على فترتين بين عامي 2014 و2018، والأهم أنه يشكّل إحدى الشخصيات التي تعتبر من ضمن «الدولة العراقية العميقة» التي كان لإيران اليد الطولى في تأسيسها.
واضحة هي أهداف طهران في دعم المالكي لتولي هذا المنصب في الوقت الذي تتعرّض فيه لضغط أميركي لا يقتصر فقط على فرض العقوبات الاقتصادية عليها، ولا على قطع طرق «التحايل» الدولية لتهريب النفط بعد اعتقال رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو وزوجته في ٣ كانون الثاني، لكنّ عبر قطع أذرعها في المنطقة، بهدف جعلها دولة معزولة، تشبه تلك التي تكوّنت بعد الثورة الإيرانية عام 1979 مع سقوط نظام الشاه وقبل أن يمسك حرس الثورة زمام الأمور في البلاد والمنطقة.
قد لا يعني واشنطن قلب النظام في إيران رغم التحشيد العسكري الهائل، إذ إن هناك جهوداً دبلوماسية «مكثفة» تجري في الوقت الراهن بين طهران وواشنطن لخفض منسوب التصعيد ومنع اندلاع حرب جديد في المنطقة، علماً إنّ هذه الجهود لم تسجل حتى الساعة أي خرقاً يُذكر. لكنّ ما يعني واشنطن هو «عزل إيران» من خلال تحجيم دورها في المنطقة، لتسهيل تمرير المشروع الأميركي الذي يقضي بإعادة «الهيكلة» للرسملة المتمثلة في الاستيلاء على الموارد الطبيعية والبنى الاقتصادية، لهذا خرجت علينا إدارة ترامب لتحدثنا عن «ريفيرا الشرق» في غزة، وعن «منطقة ترامب» الاقتصادية في جنوب لبنان، والأهم عن ممر الاقتصادي الهندي المنافس للممر الصيني «الطريق والحزام».
عناوين اقتصادية تجسّد بوضوح للرؤية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط استغلّتها طهران لترفع أوراقاً تفاوضية في وجه الأميركي. لهذا، فليس من باب الصدفة، أن تتجه الفصائل العراقية الموالية لإيران ترشيح المالكي بالتزامن مع رفع أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، الأثنين 26 كانون الثاني، التهديد عالياً ليعتبر نفسه معنياً في لبنان بالدفاع عن المرشد ونظامه.
لقد وجدت إيران في اختيار المالكي ورقة إضافية لإغراق العراق في الفوضى لـ«فرملة» الضغوط الأميركية. إن وضع العراق بات اليوم يرزح على صفيح ساخن، بعد الحديث عن تعزيز «داعش» حضورها فيه، مع إطلاق «قسد» سجناء التنظيم لديها، في ظلّ التوتر السنّي - الشيعي على ضوء هذا الترشيح، الذي وجدت فيه الأحزاب المناوئة للمالكي، بأنه قرار استفزازي. وما كتبه ترامب على منصة «تروث سوشال»، واضح في كشف المخطط الإيراني لإحداث فوضى تربك التواجد العسكري والمصلحي الأميركي في العراق وسوريا. حيث اعتبر ترامب أنه «في المرة الأخيرة التي كان المالكي في السلطة، انحدرت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، وينبغي عدم السماح بتكرار ذلك».
هي مرحلة «شدّ الحبال» الدبلوماسية، لهذا يمسك الإيراني بمواقف عربية وإقليمية متخوّفة من قطع هذه الحبال والانزلاق إلى حرب تهدّد المنطقة والأهم تضرب ممرات النفط، من بوابة مضيق «هرمز». لهذا راقى للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، من سماع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الاتصال الهاتفي، سماع موقع المملكة الرافض لاستخدام أراضيها ومجالاتها الجوية لضرب طهران، كذلك كان موقف الإمارات المتحدة العربية ودولة قطر وتركيا.
يدرك المالكي أن قرار ترشيحه ليس إلّا مناورة إيرانية جديدة، ترتكز على مبدأ أنها لم تزل ممسكة بالقرار العراقي، وإن أمن المصالح الأميركية في البلاد مرتبط بمصير المرشد الأعلى. إذ تشكّل الروابط الدينية والروحية حجر الزاوية في القلق المتصاعد بالأوساط الشيعية في العراق كما في لبنان. ويعمّق هذا القلق بسبب الامتدادات الجغرافية والسياسية للصراع، حيث التواجد للفصائل المدعومة من إيران في العراق، هذا ما ترجم من خلال توعد أمين عام حركة «النجباء» أحد أبرز الفصائل الشيعية المسلحة، أكرم الكعبي، باستهداف العسكريين والدبلوماسيين وكل من يحمل الجنسية الأميركية في حال استهداف خامنئي.
دفنت المناورة الإيرانية في مهدها ولن يستلم المالكي المنصب حتى بعد انتخاب الرئيس العراقي، لأنها تصطدم برفض مزدوج أميركي وأيضاً عراقي متمثل بمختلف المكونات العراقية الأخرى. ولن يستطيع المالكي الذي رضي بالتفاوض عليه، أن يشكّل ورقة تفاوضية في الصراع الإيراني - الأميركي، لهذا بات السؤال هل من أوراق ستخرجها طهران في المدى المنظور قبل الانتقال الأميركي إلى اعتماد لغة الحرب؟