بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 تشرين الأول 2025 09:59ص غزة… حين يصبح الصمود خيار حياة لا يُقهر

رغم الحرب والحصار والمجازر شعب يكتب نصره بالإرادة لا بالسلاح

حجم الخط
بغضّ النظر عن الخلفيات السياسية التي قادت إلى قرار وقف إطلاق النار في غزة — سواء كانت ضغوطات إقليمية ودولية، أو رغبة الإدارة الأميركية في تهدئة الجبهات، أو حتى حسابات شخصية لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو — يبقى الثابت الوحيد في كل هذا المشهد هو صمود أهل غزة، الذي تجاوز كل منطق وتحليل.

فعلى مدار عامين من الحرب المتواصلة، والتجويع المنهجي، والقتل الجماعي، والتدمير الكامل للبنية التحتية، بقي أهالي غزة صامدين، يواجهون آلة الحرب بإرادة فولاذية، إرادة لا تفسرها علوم النفس، ولا تنطبق عليها نظريات الانهيار تحت الضغط.

ما سرّ هذه القوة؟
سؤال يتردد على ألسنة كثيرين حول العالم: كيف لشعب محاصر، مجوّع، مفجوع بأطفاله ونسائه وبيوته، أن يستمر في المقاومة والتشبث بالحياة والكرامة؟
الإجابة، كما يثبتها الواقع يومًا بعد يوم، أن غزة ليست مجرد جغرافيا تحت الحصار، بل فكرة تتجسّد في بشر، حولوا الألم إلى قوة، والفقدان إلى إيمان، والحصار إلى وقود للمقاومة.
مع الإعلان عن وقف إطلاق النار، قد يرى البعض أنه نهاية للمواجهة، لكنه في الواقع ليس نهاية بل محطة. محطة يعيد فيها الغزيون ترتيب أوراقهم، يمسحون دموعهم، ويمضون في صمودهم.
لأن غزة، ببساطة، لا تُهزم بالسلاح، لأنها محصنة بإيمان شعبها وعدالة قضيتها. لأن غزة، كلما انهار فيها بيت، ارتفع مكانه أمل. وكلما استُشهد فيها طفل، وُلد طفل آخر يُسمى "صمود” أو "نصر” أو "محمد". 
في كل يوم كانت تُشيّع فيه عشرات الجثامين، كان هناك من يضع خاتم الخطوبة في إصبع حبيبته. وفي كل لحظة يُسمع فيها دويّ قصف، كان يُولد طفل، وتُرفع يد بالدعاء، ويُفتح كتاب في مدرسة مهدّمة.
هذه التفاصيل ليست هوامش. بل هي جوهر الانتصار الشعبي. لأن الاحتلال، وإن قتل ودمّر، لم ينجح في كسر الإرادة، ولم يقتلع الجذور. فغزة انتصرت لأنها بقيت، لأنها استمرت، لأنها ما زالت تتنفس.
اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن مجرد تسوية سياسية، بل اعتراف ضمني من العالم، بأن غزة لم تركع. وأن أصوات الأطفال الذين قضوا، وصرخات الأمهات، ونزيف الجرحى، كلها شكّلت ميزان قوة جديد عنوانه:
"لا أحد يهزم شعبًا قرر الحياة.”

فهل انتصرت غزة؟

نعم، انتصرت غزة.
انتصرت لأنها اختارت الحياة في وجه الموت.
انتصرت بثباتها في زمن الخذلان.
انتصرت بكرامتها التي لم تتزحزح رغم الجراح.

وغدًا… حين تفتح الحياة أبوابها من جديد، ستكون غزة في الطليعة، تكتب صفحاتها القادمة بالدم والأمل، وتعيد تعريف معنى الانتصار، لا بالبنادق فقط، بل بالإصرار على الحياة.