كان على دولة الرئيس نجيب ميقاتي، وهو الرجل المحنّك، والذي عرك السياسة وعاركته، أن يقرأ آفاق المرحلة المقبلة من عناوينها الكبرى: سقوط أنظمة قديمة، ونهوض أنظمة جديدة، في لبنان والإقليم. وأن يجنّب نفسه، مثل هذه النهاية التي إنتهى إليها، بنيله تسعة أصوات فقط، من عموم نواب المجلس، وعددهم مئة وثمانية وعشرون. ولو أنه حاول التعويض عن هذه الخسارة المدوية، بالمبادرات البديهية التجميلية لموقفه، والتي هي عادة من عدة البطل الذي هوى من أعلى السراي، فبادر للانفتاح على الرئيس الجديد، جوزاف عون، وعلى الرئيس المكلف فواز سلام.
كان على دولة الرئيس نجيب ميقاتي وهو الرجل المخضرم، أن يعرف بحدسه السياسي، من خلال حكومته في المرحلة السابقة، ومن خلال المؤشرات السياسية العربية والدولية، والتي أوحت بإنتهاء مدة المرحلة السابقة، أن رياح التغيير السياسي والعسكري التي أخذت تضرب الإقليم بقوة، لا تستثني أحدا، خصوصا ممن كان له دور، بصورة من الصور، في صياغة بيانات لبنان القديم، وذلك بعدما بلغه النبأ بثلاثة مصائر: مقتل السيد حسن نصرلله ومأساة الرئيس الإيراني رئيسي، وفرار الرئيس بشار الأسد، بعد تسليمه السلطة، طوعا أو كرها، لرئيس حكومته.
كان على دولة الرئيس نجيب ميقاتي أن يعلن مسبقاً، بعد وصول الرئيس جوزاف عون، العزوف عن السلطة، وأن ينتبه جيدا، إلى أن لبنان الجديد، سيقتحم المرحلة، وأن الأسيجة القديمة، قد هدمت جميعها بعمدانها الأساسية، ولم يعد له دور في السياج الجديد للبنان، لأنه بنظر جميع البناة التغييريين الجدد، أنه كان ركنا، بل شريكا أساسيا قديما، للأعمدة السياسية اللبنانية القديمة منذ توليه السلطة لأول مرة، منذ أكثر من عقد ونصف.
فدولة الرئيس نجيب ميقاتي، يمثل ثقلا سياسيا في طرابلس، وفي الطائفة السنية على وجه مخصوص، وكان عليه أن يحفظ ما بين يديه، من ثقافة سياسية ومن إرث سياسي، لا أن يغفل عنه، في برهة تغيير الدول، فيطيح بما صنعه من وسطية متينة وقوية، طيلة أعوامه السياسية السابقة.
ربما كان دولة الرئيس، قد أخذ عهودا وتطمينات، من بعض النواب، ومن بعض الكتل النيابية، في أن يكونوا إلى جانبه في معركة التكليف برئاسة الحكومة. وربما راهن على تفهّم وضعيته في صفوف المعتدلين السياسيين، بإعتبار تيار العزم الذي هو على رأسه، كان ولا زال يراهن على الوسطية والإعتدال، في السلطة وخارجها. غير أنه يقينا، لم يقرأ البرهة الخارجية الساخنة، بل غفل عنها، لدوره في السراي الحكومي، وسطا بين التقليد والتغيير، وهو الذي يحسن القراءة السياسية جيدا. وما جرى له، لم يكن أكثر من غلطة سراي، جعلته لا ينتبه للمتغيّرات الكبرى الحاصلة في لبنان، ولا بالخسارة المسبقة التي تنتظره، فتشابهت الأوضاع السياسية عليه، قديمها وجديدها، دون أن يتمكن من لحاق نفسه، فيعلن عزوفه عن الترشح، كما فعل سعادة النائب فؤاد مخزومي، صباح الإثنين، موعد بدء الاستشارات غير الملزمة، فيعرف كيف يخسر، إذا لم يكن بإمكانه أن يربح، وذلك لحفظ ماء وجه جمهوره، وصونا لكرامة تيار العزم، في الوقت الضائع، الذي يمرُّ به لبنان، وقد بدت ملامحه تشي، بإنخفاض الضغط الجوي، وأن المرحلة القادمة، هي للتغيير، وليست للوسطية التي ينادي بها، حين كان لبنان القديم منها، في أشدّ الصراعات، حتى كاد أن يلامس الذروة.
كان على دولة الرئيس ميقاتي، منذ تبيّنه الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فجر الاستشارات النيابية، أن يهرع لإعلان إنسحابه من المعركة، فيخرج بذلك بطلا سياسيا بإمتياز، ويدير جواده إلى الخلف ويرجع إلى قناعات جمهوره المؤيدة للبنان الجديد، ويعلن عكوفه عن الترشح لصالح الدكتور نواف سلام، فيتوقف عن الإستمرار في المعركة، وقد أحسّ بخسارتها، ويلاقي الإجماع اللبناني الوطني على مرشح التغيير، فيستبق فوزه، بفوز قلّ نظيره: تصفّق له قلوب أهله ومحبّيه ومناصريه ومؤيّديه، بل قلوب تياره: تيار العزم الوطني اللبناني، ليس في طرابلس والشمال وحسب، بل في بيروت ولبنان وفي كل مكان، وذلك لحساب منطق التغيير الذي تبتهج له قلوب اللبنانيين، في البرهة الساخنة.
حتما، لو كان دولة الرئيس، خارج السراي، لكان لاقى جمهور تيار العزم وأهل طرابلس، بل أهله جميعا وأصدقائه ومحبيه، فما سجل ترشّحا، في مثل هذه البرهة التاريخية الثقيلة، في وجه عاصفة التغيير التي ينتظرها اللبنانيون، منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن. فلم يكن هذا النوع من الغلط، من نوع أغلاط السهو العادية، فلا تترك على صاحبها أي تأثير، ولا تحمّله أي مسؤولية، بل كانت من نوع أغلاط السراي التي تسهو عن تغيّر المزاج السياسي لدى الناس في البلاد، والتي كثيرا ما كان يدفع ثمنها رجل السراي، في الأوقات الصعبة والقاسية، التي تمرّ بها الأوطان، إذا ما وقف الزمان عليها، وسجل لها موعدا في ديوان المحاسبة الشعبية.
كان على دولة الرئيس نجيب ميقاتي، أن يقرأ جيدا، كيف غيّر بعض النواب والقوى السياسية موقفهم، واختاروا الأوراق البيضاء عليه. فهؤلاء عرفوا كيف خسروا، وسبقوه للخروج من المعركة، وسجلوا لأنفسهم قصب السبق، في معرفة كيفية التهوين من ألم الخسارة.
كان على دولة الرئيس نجيب ميقاتي، أن يكون حاضرا في السياسة اللبنانية المتغيّرة، أن يقرأ جميع المتغيّرات التي طرأت في الثواني الأخيرة، فيخرج من السراي رجلا عظيما، وهو كذلك، دون أن تضيع أتعابه سدى عليها.
أحرى بنا اليوم، بعد إنكشاف المعركة، أن ننتظر جلاء الأوضاع الصعبة في التأليف بعد التكليف، مع الرئيس المكلف، نواف سلام، مواكبة لأماني الشعب اللبناني، في التغيير. وأن نكون إلى جانب دولة الرئيس نجيب ميقاتي قائدا سياسيا خارج السباق، لأن المرحلة تطلّب الإنتظار والوعي بها. وإليه وإلى جمهور محبيه، نتوجه بالقول: هذه غلطة سراي، ولم تكن أبدا غلطة دولة الرئيس نجيب ميقاتي، الذي ساهم في تجنيب لبنان، الكثير من أخطاء سياسييه القاتلة، والتي لطالما كانت شديدة الضغط على السراي الكبير، وعلى دولة الرئيس نجيب ميقاتي الأشمّ، خصوصا في ظل هذه المرحلة الصعبة والقاسية.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية