بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2026 12:15ص فلسفة القوة في الحرب والسياسة: أميركا وإيران وإسرائيل ما بين الردع النوويّ وحرب المصلحة

حجم الخط
البرفيسور ميشال فريد الخوري

لا يحتاج الشرق الأوسط إلى خبراء كي يدركوا أن السياسة تُدار مؤخراً على إيقاع القصف. لكن الضربات الأميركية - الإسرائيلية داخل إيران، وما تبعها من ردود، تكشف أن المسألة ليست ضربة في موقع نووي أو تحطيم القدرة البالستية فحسب، بل أصبحت القوة بديلاً عن الشرعية، وصارت التسوية فكرة يستطيع القوي فرضها ساعة يشاء. الأمم المتحدة دعت بعجلة لمنع اتساع الحرب ووصفت أن ما يحصل يُشكّل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. والوكالة الدولية للطاقة الذرية أشارت إلى تضرر منشآت نووية إيرانية نتيجة ضربات أميركية - إسرائيلية. هذه التفاصيل هي إشارة عملية إلى أن الملف النووي لم يعد ورقة تفاوض فقط، بل أصبح ساحة تُكتب فيها السياسة بسلاح القوة. هنا يعود كارل كلاوزفيتز في كتابه «عن الحرب» ليقول عبارته الشهيرة أن الحرب هي إستمرار للسياسة بوسائل أخرى. لكن النسخة التي نعيشها الآن أشد قسوة، وهي أن السياسة والدبلوماسية تُختزل بإدارة الردع بالقوة. الهدف لا يبدو حل النزاع بقدر ما هو إعادة رسم ما هو مسموح به من ناحية تخصيب اليورانيوم، القدرة العسكرية البالستية والنفوذ الإقليمي. من منظور ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة «السياسة كمهنة»، قال أنه يتوجب على الدولة أن تحتكر العنف المشروع داخل أراضيها، غير أن الضربات العابرة للحدود توحي بتحوّل كبير إلى أن الشرعية الدولية تنتقل من القانون إلى قدرة القوي أن يفعل ما يراه ممكناً، وقدرته على دفع كلفته؛ هكذا تتحول شرعية القوة إلى معيار ينافس شرعية المؤسسات الدولية. ثم يأتي كارل شميت في كتابه «اللاهوت السياسي» ليجعل الصورة أوضح: «السيّد القادر هو من يقرّر في حالة الاستثناء»، وبما أن واشنطن ترى أن الشرق الأوسط يعيش منذ سنوات في حالة استثناء، ولأن هذا الإستثناء تحول إلى قاعدة، فقد إتُّخذ القرار بالتدخّل. لكن الخوف من أن إيقاف هذا الاستثناء سيكون أصعب من إشعاله، وهذا بالضبط ما حذرت منه الأمم المتحدة عن خطر إتساع الحرب.
فلسفة القوة في الحرب والسياسة: القوة في السياسة ليست مجرد أداة تُستدعى عند الطوارئ؛ إنها لغة تفرض ما هو ممكن وما هو ممنوع. هنا تبدو السياسة قريبة من توماس هوبز في كتابه «الليفياثان» بقوله حين يتراجع الأمان، يتقدم منطق البقاء، وتسبق القوة القانون. لكن القوة لا تُنتج شرعية تلقائياً، بل غالباً ما تُنتج طاعة أكثر مما تُنتج قبول عن المواطن. هذا ما فرّقت فيه حنّة أرندت في كتابها «في العنف» بين السلطة والعنف بقولها أن السلطة تُبنى على الاعتراف الجماعي، أما العنف فيفرض الصمت لكنه يعجز عن بناء معنى مستدام للحكم. وفي زمن الحرب، تصبح القوة ليست القدرة على التدمير فقط، بل القدرة على تحجيم إرادة الخصم، وهو جوهر تصور كلاوزفيتز للحرب في كتابه «عن الحرب» كفعل لإخضاع إرادة أخرى. لكن حين تتكرر هذه اللحظة وتتحوّل إلى نمط كالتدخّل الأميركي والإسرائيلي في عدد من الدول، نقترب مجدّداً من شميت في كتابه «اللاهوت السياسي»: القواعد تُعلَّق باسم الضرورة، ثم تُعاد كتابة القواعد من داخل القوة نفسها ليصبح القانون تابعاً للقوة، لا إطاراً يحدّدها. ومن زاوية ميشال فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة»، القوة لا تعمل بالدبابات والطائرات وحدها بل تعمل أيضاً بإنتاج الخوف، وتوجيه الرأي العام، وتنظيم ما يُقال وما لا يُقال. الحرب ليست قتالاً فحسب، بل طريقة تعيد ترتيب التحالفات وتصنع سياسات جديدة. وفي المقابل، لدى يورغان هابرماس في كتابه «بين الوقائع والمعايير» تتراجع الشرعية كلما سيطر منطق القوة وعندما يُستبدل التفاوض بالقصف، والتوافق بالإكراه، وتصبح التسوية صراع الصواريخ. بهذا المعنى، الكلام عن فلسفة القوة ليس تمجيداً لها، بل وصف الواقع الذي إصبحت فيه القوة هي الشرعية؛ وبهذا لا يعود السلام مشروعاً قائماً على العدالة، بل هدنة تُدار بالخوف وتُقاس بميزان القوة والقدرة.
مصلحة واشنطن عسكرياً: وفق الواقعية عند هانز مورغنثاو في كتابه «السياسة بين الأمم: الصراع من أجل القوة والسلام»، فإن تدخّل أميركا هو مصلحة وقدرة وليست أخلاق أو شعارات. لأن النووي سلاحاً موازناً لقوة ردع الدول الكبرى، واشنطن تُعلن بوضوح أن هدفها الرئيسي هو حرمان إيران من السلاح النووي، وإضعاف قدرتها على إنتاج صواريخ بالستية بعيدة المدى التي تهدّد أمن دول المنطقة وإسرائيل؛ يضاف إلى ذلك، شل نفوذ إيران الإقليمي وتجفيف موارد ترى واشنطن أنها تُغذّي أنشطة مزعزعة للإستقرار في عدد من الدول. من ناحية الكلفة، إيران على عتبة إمتلاك النووي، وهذا يعني أن التدخل الأميركي الآن أوفر من التدخل لاحقاً، وأن المنطقة قد تنزلق إلى سباق تسلح ردعي متبادل الذي سيكون أكثر كلفة. يسأل المراقب الآن: لماذا يُسمح النووي اللهند وباكستان وكوريا الشمالية ويُمنع عن إيران؟ قانونياً، إيران طرف في معاهدة عدم الانتشار (Nonproliferation Treaty) كدولة غير نووية، لذا إلتزاماتها مختلفة عن دول لم توقّع أصلاً  مثل الهند وباكستان، أو انسحبت مثل كوريا الشمالية. لم يُسمح عملياً لهذه الدول بإمتلاك النووي لأن العالم وافق، بل لأن العالم لم يعد قادراً على توقيفها. وهذا يجعل السبب الأساسي هو منطق نقطة اللاعودة، لأنه عندما تمتلك دولة السلاح النووي وتختبره، تتحول سياسات الدول الكبرى إلى احتواء وتعايش قسري، لأن كلفة الإلغاء تصبح حرب نووية كبرى. أما إيران، فتُعامل بمنطق قبل إكتمال القدرة، حيث ما يزال المنع ممكناً بأدوات الضغط (عقوبات، وضربات عسكرية، وتفاوض)، ولهذا تتدخّل واشنطن الآن لأنها لن تكون قادرة على ذلك بعد اكتمال الإنجاز.
مصلحة واشنطن اقتصادياً: قد تكون أميركا منتجاً كبيراً للنفط، لكن أي صدمة في الخليج تعني تضخماً واضطراباً في الأسواق. والأهم أن مضيق هرمز هو شريان للتجارة النفطية حيث يمرّ عبره ما يزيد عن 20 مليون برميل يومياً، أي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي. لذلك، أمن هذا المضيق يظل جزءاً من الأمن القومي الأميركي لأن اقتصاد الحلفاء واقتصاد العالم يتنفس عبر هذا الشريان. وهنا يظهر آدم سميث في كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية» أنه عندما تهتز الثقة يدخل الخوف إلى القرارات؛ في سوق الطاقة، الخوف يرفع السعر قبل أن تتعطل الإمدادات وذلك من جراء التوتر ورفع سعر تأمين الشحن وزيادة مخاطر المرور؛ الجميع يعلم أن التوتر في الخليج العربي يُنتج نفطاً أغلى حتى لو لم يتعطل شيء. أما الصين، المنافس الأكبر لواشنطن، فحين تشتري النفط الإيراني بخصومات أو عبر قنوات إلتفاف، فهي تخفّض كلفة منتوجاتها الصناعية وتؤمّن مورداً خارج المظلة الدولية لسوق النفط. 15% من الواردات النفطية الصينية تأتي من إيران، لذلك توقيف إستيراد النفط الإيراني هو تقليل مكاسب الصين ووقف مدخول نفطي عن إيران في آنٍ واحد. من جهة ثانية، إيران تملك مخزوناً كبيراً من المعادن والمواد الأولية غير النفط وتشمل الحديد الخام، النحاس، الذهب، والفحم، وغيرها من المواد الأولية المطوبة في العديد من القطاعات الصناعية. لكن سياسة واشنطن تميل أكثر إلى تقليل قدرة إيران على تحويل إيراداتها إلى قوة إقليمية قادرة أن تدعم أذرعها في عدد من الدول، أكثر من أن يكون سعي مباشر للإستيلاء عليها.
مصلحة إسرائيل: ترتكز مصلحة إسرائيل في التصعيد مع إيران على خمسة مسارات متداخلة. أولاً على الصعيد الأمني: منع إيران من الوصول إلى موقع الدولة نووية، لأن ذلك سيقيّد الحركة الإسرائيلية ويمنح طهران قوة الدول الكبرى وغطاء يسهّل عليها دعم أذرعها (حزب الله في لبنان، كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والنجباء في العراق، والحوثيين في اليمن). ثانياً على الصعيد الردعي: تثبيت معادلة مفادها أن أي تهديد استراتيجي سيواجه بضربة مؤلمة، بما يحدّ من رغبة الخصوم بالتصعيد. ثالثاً سياسياً: إقناع شركائها في الخليج بأن إسرائيل تمثّل صمام أمان في مواجهة تمدد إيران، بما يخدم مسارات التطبيع والتعاون لاحقاً. رابعاً اقتصادياً: خفض احتمالات اضطراب خطوط الملاحة وأسواق الطاقة، لأن ارتداداتها تطال استثمارات إسرائيل وأسواق المال لديها. خامساً استعراض القوة: فهو جزء أساسي من المعركة، وهو رسالة ردع للخارج وطمأنة للداخل الإسرائيلي، ومحاولة لترسيخ صورة التفوق العسكري والإستخباري والقدرة على الوصول لأي موقع، بما يمنح إسرائيل ورقة تفاوض قوية الآن وفي المستقبل. لكن من جهة ثانية، سيدفع الخصوم إلى البحث عن ردع مضاد أو تسريع برامجهم في التسلح.
في الخاتمة، أي شرق أوسط يُكتب حين تصبح القوة هي المعيار؟ حرب المصالح في إيران لا تفضح هشاشة الاتفاقات فقط، بل هشاشة الفكرة أن السياسة تستطيع إنتاج تسويات السلام قبل إطلاق الصواريخ. حين تتقدم القوة لتصبح لغة القرار، تتحقق مقولة كلاوزفيتز بشكل معكوس حيث تصبح الحرب طريقة لتحديد السياسة بدلاً من أن تكون إستثناء لها. لكن هذا المنطق، كما تذكّرنا أرندت، قد يفرض رعباً مؤقتاً، لكنه لا يبني سلطة مستدامة ولا يصنع قبولاً عند الشعب، ويُنتج الثأر، ويجعل التراجع صعباً لأن كل تراجع يُقرأ كضعف. ومع استمرار «حالة الاستثناء» عند شميت، يصبح القانون تابعاً لمصلحة القوي، وتتحوّل هذه المصلحة إلى حالة دائمة لأن الخطر قد يُعاد إنتاجه باستمرار في إيران أو في أي دولة أخرى. ويتابع فوكو بشرحه كيف تتحول هذه الطريقة إلى إنتاج الخوف والذي يُكال بميزان القوة قبل أي ميزان آخر، بينما معيار هابرماس للشرعية كحوار عقلاني يبدو بعيداً حين تُستبدل الدبلوماسية بالقصف. لذلك السؤال ليس من سيربح أو من سيخسر، بل أي شرعية دولية تُطبّق وأي شرق أوسط يتشكل حين تصبح القوة هي الدستور؟ إذا غابت التسوية وسادت لغة القوة، سيظل السلام مجرد هدنة، وسيبقى النووي والنفط أدوات ضغط تستعمل عند الضرورة؛ وحدها السياسة والدبلوماسية تُعيد الاعتبار وتبني تفاهمات وضمانات محترمة للجميع، ويكون الأمن والسلام مصلحة مشتركة بدل من أن تبقى المنطقة رهينة الخوف بإنتظار البدء بالجولة القادمة.