البروفسور ميشال فريد الخوري
تتكوّن الدولة نتيجة توازنات تاريخية وصراعات متراكمة على السلطة، وهذه التوازنات تَفرض نفسها قبل أن تُكتب نصوص الدساتير. ما يميّز الدولة الناجحة هو قدرتها على تحويل تطلّعات موازين القوى إلى قوانين تتلاءم مع المصلحة العامة، وقدرتها أيضاً على فرض شرعيتها على الموازين، وليس العكس. فعندما تنجح الدولة في ذلك، تحكم بطريقة فاعلة، وعندما تفشل تتحوّل الدولة إلى ساحة صراع لا تملك القدرة على الحكم. يعيش لبنان منذ زمن في منطقة ضبابية، فلبنان ليس دولة غائبة تماماً، بل دولة ذات سيادة وشرعية معترف بها دولياً؛ إنه كيان سياسي موجود ظاهرياً، لكنه محكوم بموازين قوى داخلية لا يمكنه تجاوزها وفي نفس الوقت لا يمكنه التحكّم بها. من هذا المنطلق تعتمد السياسة في لبنان على موازين دقيقة للقوة، وتدار هذه الموازين وفق منطق مصلحة الجماعات وليس المصلحة العامة أو العقد الاجتماعي، حيث تُحتسب كل خطوة من الجميع بعناية للحفاظ على التوازن وإدارة الأزمات ومنع الإنهيار.
مفهوم موازين القوى الداخلية: (هيمنة موازين القوى) قدّم أنطونيو غرامشي في كتابه «دفاتر السجن» مفهوم هيمنة موازين القوى الداخلية كقدرة فئة أو تحالف قوى على فرض رؤيتها على الدولة، من دون الحاجة إلى العنف. في هذا الإطار، يمكن فهم موازين القوى الداخلية كمنظومة هيمنة ثقافية وأخلاقية وسياسية تقنع المجتمع، وإن أي محاولة لتجاوز الميزان القائم هي مغامرة خطيرة قد تأخذ البلاد إلى المجهول؛ وبإسم الخوف من الحرب والإنهيار يُبرَّر التعطيل، ويُصبح الشلل مقبولاً، ويُصوَّر العجز كخيار منطقي. وهكذا، تنْتج الدولة الضعيفة بحجّة «السّيئ أفضل من الأسوأ»، لا بكونها مشكلة يجب حلّها جذرياً. (الولاء للجماعة بدل الدولة) أما جان جاك روسو في كتابه «العقد الإجتماعي» قال أنه في النظام التي تحكمه موازين قوى داخلية قوية، يفقد فيه المواطن جزءاً من حريته ويصبح عضواً في جماعة قوة يخضع لولاءاتها ومصالحها بدل القانون العام؛ والدولة تفقد قدرتها في التعبير عن الإرادة العامة، وتصبح خاضعة لمساومات بين الجماعات المتنافسة. (تآكل السلطة لصالح الموازين) أما حنة أرندت في كتابها «في العنف» قالت أنه في الأنظمة التي تحكمها موازين قوى داخلية، تتآكل السلطة لصالح القوة. فعندما تُدار الدولة وفق موازين قوى داخلية متصارعة من نخب وجماعات نفوذ، تفقد السلطة أساسها التوافقي والشرعي، ويُستعاض عنها بالقوة والعنف كوسيلة للحكم، والتي هي علامة انهيار لا دليل قوة. وبهذا، لا يكون القرار ناتجاً عن توافق داخلي بل عن توازن ردع، حيث يتحوّل الحكم إلى إدارة لتفادي الصدام وتفقد الدولة معناها ويصبح هدفها الرئيسي البقاء. (الأقوى يصبح صاحب القرار) أما كارل شميت في كتابه «اللاهوت السياسي» ربط موازين القوى بفكرة من يأخذ القرار؟ ليس الدستور، ولا البرلمان، ولا القضاء، بل ميزان القوة في لحظته الراهنة. وهكذا، تُختطف السيادة من الدولة، وتنتقل إلى الميزان الأقوى ويصبح هو صاحب القرار والذي يكون غير خاضع للمساءلة يتصرف كما يشاء لا يأبه لسلطة الدولة.
موازين القوى الداخلية وإحتكار القوة: يقول ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة «السياسة كمهنة» على أنه يجب على الدولة أن تحتكر القوة؛ هذا لا يعني القمع، بل يعني وضع المواطنين في إطار قانوني واحد. هذا الاحتكار يجب أن يكون شرط تمتلكه أي دولة، وهو قدرتها في السيطرة على النزاع ومنع التفكك. في لبنان، لم يتحقق هذا الاحتكار أبداً منذ البداية، بل نشأت الدولة في ظل شروط الطوائف والأحزاب، فتحول الكيان السياسي إلى نتيجة لميزان، وليس إلى مرجعية الدولة. فموازين القوى الداخلية في لبنان لا ترتكز فقط على التنوع الاجتماعي أو الطائفي، بل هي بنية حكم قائمة بحد ذاتها؛ هي تبقي الاختلاف معلقاً، وتحافظ على رمادية الصراع، وتفرض تعطيلاً متبادلاً للسلطة. في هذه البنية، لا يحكم أحد بالكامل، لكن الجميع يستطيع التعطيل، وعندما تصبح القدرة على التعطيل معيار القوة، تُفرّغ سلطة الدولة من معناها، ويُحول الحكم إلى إدارة أزمات مستمرة.
العلاقة بين الدولة وموازين القوى: في الدول الناجحة، تعلو سلطة الدولة على موازين القوى ويعاد تشكيلها من جديد عند كل مرحلة (إنتخابات بلدية، نيابية، رئاسية أو حكومة جديدة ...) كما تكلم عنها جوزيف شومبيتر في كتابه «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية». لكن في الحالة اللبنانية، انعكست هذه العلاقة فأصبحت الدولة نفسها في قبضة الموازين حيث يصار لتعديل مؤسساتها ووظائفها وسياستها وفقاً لها. الدستور يعمل كنص قابل للتعليق والتعديل، والقانون لا يُطبق كمعيار عام، بل كأداة تطبّق على الضعيف وتعدّل لمن ميزانه أقوى. الشرعية لم تعد ثابتة، بل تحدّد «على القطعة» لما يسمح به الميزان. في هذا السياق، ليس فشل الدولة مسألة عدم كفاءة أو فساد إداري فقط، بل هو مسألة بنيوية تتغلغل في فكر وطريقة المواطن اللبناني وبالتالي في هيكلية الدولة وكيانها.
العلاقة بين المواطن وموازين القوى: في كتابه الأشهر «المقدمة» قال إبن خلدون أن الفرد لا يُثبّت سياسياً ولا تُصان مصالحه إلا عبر جماعته. وهذا يعني أنه في الدولة التي تعلو فيها كلمة الموازين، لا يُعَامل المواطن كفرد في عقد اجتماعي، بل كجزء من جماعة تحدد حقوقه وواجباته بحسب وزن جماعته في الميزان العام، وبهذا تنكسر فكرة المواطنة لصالح الإنتماء، وتصبح قرارات الدولة نتيجة مساومات بين القوى المتنافسة أو الموازين. في هذا السياق، يمكن القول أن المواطن اللبناني يعيش حالة تعليق دائم للعقد الاجتماعي. فلبنان ليس في صراع مفتوح بل هو عالق في منطقة وسطى، حيث يُدار النزاع بدلاً من حسمه، وتُستهلك الدولة بدلاً من بنائها، ويسخّر المواطن ويتعلّق بميزانه أكثر وأكثر بدلاً من العمل على تطوير نفسه وتحسين قدرته وقدرة وطنه؛ وهذا التعلّق الذي يربط المواطن بميزانه يمنح هذه الموازين قدرتها على الاستمرار، فهي غير قادرة على إنتاج نظام جديد يتناسب كلّياً مع تطلعاتها، لكنها تمنع الإنهيار وتبقي الكيان في حالة معلّقة، هشّة وغير مستقرّة.
خطر الموازين على الكيان: في فكرته «القانون الحديدي للأوليغارشية» الواردة في كتابه «الأحزاب السياسية» قال روبرت ميكلز أنه حتى عندما تبدو العملية ديمقراطية (انتخابات...)، تتركّز السلطة بيد قلّة قادرة على إعادة تدوير سيطرتها داخل أشكال جديدة. من هذا المنطلق نرى أن الخطر الذي يواجه الكيان اللبناني هو أن هذه الموازين لا تساهم فقط في إضعاف قدرة الدولة على الحكم، بل في قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، وكل أزمة يمر فيها لبنان تتحول إلى دليل على ضرورة التمسك بالميزان القائم، وكل محاولة تغيير تُصوّر كتهديد للاستقرار. وبهذا تُصبح الدولة رهينة خطاب الخوف: الخوف من الميزان الأقوى، الخوف من التفكّك، والخوف من التفلّت الأمني؛ وفي ظل هذا الخوف يُبرَّر التعطيل، ويُصبح الشّلل خياراً مقبولاً والبقاء هو المطلب الوحيد. لكن سياسات الدول الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على الإنجاز والتقدّم. فالدولة التي تعجز عن اتخاذ قرارات سيادية، أو عن فرض القانون على الجميع وحماية الشعب من منطق القوة، ليست مجرد دولة فاشلة بل دولة فقدت معناها.
الإصلاح وموازين القوى: أما الإصلاح الذي تحاول السلطة اللبنانية الحالية جاهدةً إنعاشه وتطبيقه، يَفترض وجود سلطة قادرة على فرض النظام ومنع الفوضى كما تحدث عنها توماس هوبز في كتابه «الليفياثان». لكن موازين القوى في لبنان تمنع نشوء تلك السلطة التي تنجز الإصلاح الحقيقي، فهي مبرمجة لتبقي الوضع «لا غالب ولا مغلوب»، وفي الوقت نفسه تمنع الحكم. وبهذا تكون الدولة مستقرة في عجزها ومحصّنة غير قابلة للتغيير، ويصير خطاب الإصلاح تهدئة للغاضبين، وإعطاء رسالة أن الدولة قادرة على الوقوف، بينما هي فعلياً هشّة وأسيرة تركيبتها الداخلية. هذه الحالة أنتجت في لبنان دولة بلا سيادة، ومجتمع سياسي يعيش في نظام لا يستطيع الخروج منه، ومجبراً للتعايش معه خوفاً من فقدان السيطرة. الإصلاح الأساسي للدولة يكمن في جعلها سلطة قادرة أن تحكم وأن تكون مرجعية لضبط موازين القوى، لا ساحة لتقسيم الحصص أو مسرح خاضع لسلطة الميزان. فكلّما بقيت الدولة في قبضة موازينها الداخلية، ستبقى عاجزة عن الإصلاح والتقدّم؛ فقط عندما تسيطر الدولة عليها وعندما يخضع المواطن لسلطة الدولة ومؤسساتها، يصبح الإصلاح هدفاً قابلاً للتحقيق والخروج من الأزمة ممكناً.
في الخاتمة، ليست موازين القوى الداخلية قدَر نهائي للدولة بل تتغيّر مع تغيّر المراحل. في لبنان نرى أن هذه الموازين تعيد إنتاج نفسها مع كل إستحقاق أو كل مرحلة. تستطيع الدولة ضبط هذه الموازين لكن ضبطها يحتاج إلى إرادة سياسية ووعي وطني يتضمّن الإلتفاف حول الدولة ومؤسساتها، الإبتعاد عن منطق الخوف من المجهول، ورفض واقع التعايش مع التعطيل المتبادل. إذا لم تسيطر الدولة على هذه الموازين، ستبقى محكومة بها، تفتقد لمشروع سياسي وطني وستستمر في عملها كمكتب إدارة أزمات دائمة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. من هنا، نطرح الأسئلة التالية: أي دولة نريد؟ هل المطلوب دولة تحول قوّتها إلى قوانين تخدم المصلحة العامة، أم دولة تُعدّل القانون انعكاساً لقوة الموازين؟ هل نريد دولة تضبط وتحتكر القوة، أم نظاماً يساهم في توزيع الحصص؟ وهل نريد سلطة تحكم بإسم العدالة والشرعية، أم توازناً يمنع الحكم بإسم الخوف من فقدان السيطرة؟ ما لم يُستعَد مفهوم الدولة كسلطة تعلو على موازين القوى، سيبقى الكيان اللبناني قائماً شرعياً، خاضعاً لقوى تحكمه، وستبقى الدولة هشّة معلّقة على حدود الإنهيار. وفي هذه المعادلة، لا يكون السؤال كيف نحافظ على الدولة أو عن كيفية إصلاح النظام، بل هل لدينا الجرأة لكسر الحلقة التي تربط هذه الموازين ببعضها البعض لمنعها من إعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة؟ طالما هذا الخيار لم يُحسَم بعد، ستظل الدولة في قبضة الموازين، موجودة شكلاً، غائبة في العمل والإنتاج، أسيرة لقوى لا تخضع لها، بل تُسخِّرها لمصالحها الخاصة.