في مثل هذا الوقت من كل عام، تعود الذاكرة البيروتية واللبنانية لتستحضر سيرة رجلٍ لم يكن مجرد صحفي بارز، بل كان علماً من أعلام الكلمة الحرّة، وصوتاً صادقاً حمل همّ الوطن والأمة.
العميد عبد الغني سلام، بابتسامته التي لم تغب حتى في أحلك الظروف، مثّل نموذجاً للصحفي الوطني المنفتح، وصورةً ناصعة لبيروت المدينة التي تحتضن التنوّع، وتحمل لواء الاعتدال والعيش المشترك.
إرثه ما زال حيّاً في ذاكرة اللبنانيين وقلوب محبيه، يُتوارث كقيمة نبيلة في زمن عزّت فيه القِيَم. حيث وُلد عبد الغني محي الدين عبد الغني سلام عام 1942 في بيروت، ونشأ في كنف عائلة عُرفت بعراقتها وإسهاماتها في ميادين السياسة والثقافة والاقتصاد. وتلقّى علومه الأولى في مدرسة الشويفات الوطنية، ثم تابع دراسته الجامعية في السياسة والاقتصاد وتخرّج عام 1962. تلك الخلفية الأكاديمية والاجتماعية صقلت شخصيته، ومنحته رؤية شاملة مكّنته من التأسيس لمشروع إعلامي نوعي عبر مجلة «اللواء» التي أطلقها في نوفمبر 1963، قبل أن تتحوّل إلى صحيفة يومية في عام 1970. ولم تكن «اللواء» مجرد منبر إعلامي، بل تحوّلت على يديه إلى مساحة حرّة للدفاع عن القضايا الكبرى، وطنيةً كانت أم عربية.
تميّز العميد سلام بجرأة قلمه واستقلالية رأيه، وهي صفات كلّفته ثمناً غالياً، إذ أُوقفت «اللواء» عن الصدور أكثر من مرة نتيجة مواقفه الجريئة، لا سيما عام 1967 حين طالب باستقالة الحكومة ووجّه انتقاداً حادّاً لرئيس الجمهورية. لم يكن هدفه التصادم، بل التصويب؛ ولم يكن سعيه لمجد شخصي، بل لإعلاء الكلمة الحرّة، وتكريس دور الصحافة كسلطة رقابية مستقلة. ظل ثابتاً على مبادئه، مدافعاً عن مشروع الدولة، منادياً بسيادة القانون، ومؤمناً بأن العيش المشترك هو خلاص لبنان.
ولم يكن العميد سلام غريباً عن ساحات النضال العربي، بل كان نصيراً لقضايا الأمة، تتقدّمها القضية الفلسطينية التي ظل يحملها في ضميره ويكتب عنها بشغف، مؤمناً بعدالتها ومُطالباً بحقوق شعبها. كما عُرف بسعيه الدائم إلى جمع الشمل اللبناني، وبذله الجهود لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، مدركاً أن الانقسامات الداخلية هي أكبر عدو لوطن جريح.
تولَّى منصب أمين سر نقابة الصحافة اللُّبنانيَّة سنة 1979، ثُمَّ أصبح نقيب الصحافة اللُّبنانيَّة بالوكالة سنة 1982. كما مُنح وسام الأرز الوطني سنة 2013م تقديراً لِعطاءاته، التي امتدت على مرِّ السنين لتشمل العمل السياسي والاجتماعي، حيث انتُخب أميناً عاماً للمجلس الإسلامي الأعلى في عهد الرئيس شفيق الوزان، كما شغل منصب نائب رئيس اللجنة العليا لاحتفالات القرن الخامس عشر الهجري، ما عكس الثقة التي أولاه إياها المجتمع والمؤسسات. وكان طوال حياته حريصاً على أن يكون الجسر بين مختلف المكوّنات اللبنانية، رافضاً أي خطاب متطرف أو تحريضي.
وقد وُثّقت هذه المسيرة الحافلة في كتاب «عبد الغني سلام: مسيرة وفاء»، الصادر عن دار اللواء للصحافة والنشر، وهو شهادة حيّة على نضاله الفكري والمهني، وعلى إيمانه بقدرة لبنان على النهوض من كبواته.
ثماني سنوات مرّت على غياب العميد، لكن حضوره لا يزال شاخصاً في جريدة «اللواء»، وفي مواقف العاملين فيها، وفي نبض الكلمة التي استودعها روحاً حيّة. والمؤسسة التي بناها والتي لا تزال مستمرة بجهود شقيقه ورفيق دربه، الأستاذ صلاح سلام، الذي حافظ على الأمانة، وحمل المشعل بنفس الالتزام الوطني والمبدئي. وبيروت، الوفيّة لأبنائها، ما زالت تتمسّك بمشروع العميد: الدولة القوية، والعيش المشترك، والانتماء العربي.
رحم الله العميد عبد الغني سلام، الصحفي والمفكر، الوطني والعروبي، وأطال الله بعمر شقيقه الأستاذ صلاح سلام، ليبقى هذا البيت الإعلامي منارةً للكلمة المسؤولة وصوتاً لبيروت التي أحبّها وأحبّته.