في كلّ عام، حين تقترب ذكرى استشهادك، لا يعود الزمن زمناً، ولا يصبح التاريخ مجرّد رقم. يعود القلب إلى تلك اللحظة التي تغيّر فيها وجه الوطن، ويقف اللبنانيّ حائراً أمام فراغٍ لم يملأه أحد، وأمام سؤالٍ لا يزال معلّقاً: كيف يمكن لوطنٍ أن يكبر بعد أن فَقدَ رجله الكبير؟
يا دولة الرئيس رفيق الحريري،
لم تكن شهيد يومٍ عابر، بل شهيد فكرة، وشهيد حلمٍ أكبر من السياسة وأوسع من السلطة. كنتَ مشروع وطن، وحين غبتَ، غاب معك ذلك اليقين النادر بأنّ الدولة ممكنة، وأنّ الغد يُبنى بالإرادة لا بالصدفة.
نفتقدك اليوم لا لأنك كنت رئيس حكومة، بل لأنك كنت طمأنينة.
طمأنينة للأب الذي كان يرى في أولاده فرصة تعليم،
وللطالب الذي وجد في العلم جسر عبور،
وللمدينة التي نهضت من رماد الحرب لأنك آمنت أنها تستحق الحياة.
نشتاق إليك لأنك كنت ترى أبعد من اللحظة، وأعمق من الانقسام، وأصدق من الشعارات. كنت تعرف أنّ الأوطان لا تُدار بالغضب، بل بالحكمة، ولا تُحمى بالكراهية، بل بالاعتدال، ولا تُبنى إلّا حين يكون الإنسان في قلب القرار.
بيروت...
كم تشبهك اليوم وهي متعبة، مكسورة، تبحث عمّن يشبهك ليقول لها: «قومي».
كم تفتقد يدك التي أعادت رسم ملامحها، وصوتك الذي كان يهمس لها أنّ الجمال مقاومة، وأنّ الحياة فعل إيمان.
يا أبا بهاء،
نعيش في زمنٍ صعب، زمنٍ يختلط فيه الضجيج بالحقيقة، وتُستبدل فيه القيم بالمصالح، ونشعر أكثر من أي وقتٍ مضى أنّ غيابك لم يكن فقدان شخص، بل فقدان ميزان.
ومع ذلك...
ما زال اسمك حاضراً..
في كل مدرسة فتحت بابها،
في كل شاب آمن بأنّ مستقبله لا يجب أن يكون في المنفى،
وفي كل لبنانيٍّ يرفض أن يتخلّى عن فكرة الدولة.
في ذكراك، لا نرثيك بقدر ما نشتاق إليك.
ولا نبكيك بقدر ما نفتقد زمناً كان فيه الأمل واضحاً، والطريق، رغم صعوبته، معلوم الاتجاه.
رحمك الله يا دولة الرئيس،
ستبقى في الوجدان لا كذكرى حزينة، بل كمعيار.
معيار للرجل الذي أحب وطنه بصدق،
وقال وصدق: «ما حدا أكبر من بلده».
وفي كل 14 شباط، سنقف...
ليس فقط حداداً،
بل وفاءً لحلمٍ لم يمت.
المهندس هشام جارودي