بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 تشرين الأول 2025 12:00ص في وداع زياد الحمصي.. العروبي المتهم بوطنيته!

حجم الخط
كرحابة سهل البقاع، كان صدر زياد الحمصي. رحابة مستنبتة من حقول البصل وبيادر القمح، رحابة منغرسة في بيادر العدس والسلطان يعقوب. كان زياد، رجل كل الفصول. متعدّد الأبعاد والاختصاصات من التصوير الى تربيض المدفعية، وزراعة الأشجار والورود..
كاميرته لا تفارقه منذ ما قبل المراهقة، بقيت رفيقته حتى الهزاع الأخير، ولطالما تحوّل معرضه للتصوير الفوتوغرافي الى تظاهرة سياسية ووطنية، ولا سيّما أنه يوثّق لحظات حرجة وحسّاسة من تاريخ لبنان المتموضع على فوالق القضايا العربية من ما قبل رحيل جمال عبد الناصر، مروراً بالاجتياحات الإسرائيلية المتوالية، وصولاً الى الانتكاسة الكبرى التي تمرّ بها أمّة العرب.
لم يكن زياد الحمصي، مناضلاً نرجسياً، بل كان فدائياً تعرفه خنادق الجنوب، والبقاع الغربي، وإقليم الخروب وبيروت. سريعاً تلقّف انتفاضة جيش لبنان العربي بقيادة المرحوم أحمد الخطيب، وسريعاً ارتقى بالمسؤولية العسكرية قائداً لمنطقة البقاع، ثم قائداً بالوكالة لجيش لبنان العربي أثناء اجتياح 1982، ثم رئيساً للجنة الأمنية العليا في البقاع، وهي اللجنة التي كانت ترعى أمور البقاع الأمنية، وكان محل محاولات كثيرة لتطويعه بالترهيب والسجن من قبل السوريين بشخص محمد غانم وخلفه غازي كنعان ومن بعده..
ضغوط كثيرة تعرّض لها الحمصي، لكي يتبنّى خيارات مخالفة لقناعاته، وفي كل مرّة كانت سعدنايل منسجمة مع خياراته خصوصاً تلك الداعمة للمقاومة الفلسطينية والرافضة لانقسامها وخصوصا فترة الانشقاق داخل حركة فتح، وقد لعب زياد انطلاقاً من موقعه القيادي في جيش لبنان العربي، وأيضاً من شخصيته ومروحة علاقاته وصدقه، لعب دوراً في حجب الدم الفلسطيني بين أبناء القضية الواحدة.
سعدنايل احتضنت زياد كفدائي في صفوف الثورة الفلسطينية، ثم كمناضل وقيادي كبير في جيش لبنان العربي، ثم كعضو وقيادي في «القيادة القومية للقوات الثورية في الوطن العربي» ثم كقيادي ومؤسّس لحركة اللجان الثورية في لبنان، تلك الحركة التي يعتبر العقيد الراحل معمّر القذافي مؤسّسها وقائدها والذي لطالما التقى الحمصي منفرداً أو ضمن وفود الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية، والأهم أنها كرّسته معادلة عصيّة على الكسر في انتخابات بلديتها.
استطاع زياد أن يكون نبض سعدنايل، واستطاعت سعدنايل أن تكون باحتضانها المتواصل لنضالات زياد وتاريخ آبائها وأجدادها، معادلة قوية ذات شكيمة صلبة دفاعاً عن كل قضايا العرب، فكانت مقصداً لكل الرموز العربية والقادة التاريخيين، وآخرهم أحمد بن بلّه.
زياد أسّس الكثير من المنابر والجمعيات والروابط، كما كان مؤسّساً في الكثير من المنتديات والمؤتمرات الوطنية والعربية. كان فاعلاً ومؤثّراً في النضال لرفع الحصار عن العراق الذي ترافقنا في زيارته تضامنياً قبيل أشهر من غزوه واحتلاله عام 2003. كما كان فاعلاّ ومؤثراً في جهود التضامن مع الجماهيرية الليبية قبل أن تقرّر أساطيل الناتو ودبابة المؤامرة عام 2011 تقويضها وجعلها نهباً للفوضى وشلالات الدمّ.
وسط هذه الانهيارات الهائلة، انطلق زياد في إشهار سلاح «الإرادة الطيبة» التي كانت انعكاساً لتنمية سعدنايل وتطويرها، ليس على الأوتوستراد الدولي الرابط بين بيروت وزحلة وبعلبك، وإنما أيضاً داخل أزقة البلدة، التي زرعها حبّاً وورداً وياسمينا، وشتولا من أشجار تلطّف جوّها وتزيد بهائها. وبهمّة لا تلين أرسى زياد الحمصي معالم هي أكثر من بصمة في جبين سعد نايل، فمن القناطر الى الحدائق، والمستديرات والأرصفة الى محطة القطار التي سجّي فيها بالأمس جثمانه لصلاة الجنازة قبل رحيله الى مثواه الأخير، وقد رشّت سعدنايل عليه كل ورودها، وأدّت كل صلواتها نساء ورجال، شيب وشباب.
لعلّ أكثر المرارات التي أصابت قلب زياد، كانت الفرية المسمومة، بتعامله مع العدو، وهي الفرية التي صمتت أركان الدولة العليمة والعميقة عن حقيقتها. كان زياد الحمصي مغامراً الى حد اعتقاده بأن يكون رأفت الهجّان الثاني، فانتزع من مستدرجيه من الموساد في الصين، خرائط واحداثيات قبور (الجنود الإسرائيليين الثلاثة) الذين قتلوا في بيادر العدس في البقاع الغربي عام 1982، حيث تمكّن زياد القيادي في جيش لبنان العربي من التقاط صور لأشلائهم ودباباتهم يومذاك، وكانت هذه الصور  التي نشرها زياد في مجلته «الإرادة الطيبة» بمثابة الحافز الإسرائيلي للتواصل معه بعد فشل جهود مئات البعثات الأميركية والأوروبية بحثا عن الجثث المفقودة.
أطلع زياد أجهزة الدولة اللبنانية على خرائط الاحداثيات وسلمّهم إياها، وبعد أسابيع اعتقل الرجل وقبع في السجن بتهمة «العمالة لإسرائيل». انها التهمة التي تنوء بحملها الجبال، فكيف بمناضل أمضى كل عمره في مقارعة العدو!
قبيل خروجة من السجن شاهد زياد تقريراً تلفزيونيا يتحدث عن اجراءات أمنية اتخذتها الأجهزة العسكرية والأمنية في تلك المنطقة. خرج زياد من السجن وسط بحر بشري من ضهر البيدر الى سعدنايل. لقد انتصرت الناس بحسّها وحدسها لزياد، غير آبهة بفرمانات المحكمة العسكرية «المسيّسة» والصحافة الصفراء.
قرّر زياد قلب الطاولة، فوضع بين دفتي كتاب كل تفاصيل العملية، وأطلق على كتابه اسم «لغز الجنود الإسرائيليين الثلاثة»، وهم الجنود الذين سلّم أولهم لبنيامين نتنياهو من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زمن بشّار الأسد الذي أصدرت حكومته بياناً نفت علمها بوجود جثامين. واستعادت إسرائيل الثاني وقالت أنها بجهود استخبارية إسرائيلية خاصة، في عهد حكومة أحمد الشرع. فيما لم تزل جثة الجندي الثالث تنتظر الكشف عنها، لكنه الكشف الذي انطلق أولاً وآخراً، من الخرائط والاحداثيات التي قال زياد بأنها سلّمها لمحاوريه في الأمن اللبناني قبل توقيفه.
كلام حرام كثير، رشق به زياد، وبما أنّه كلام حرام، فقد قالت سعدنايل كلمتها مرة أخرة في وداعه المهيب الذي تقاطرت إليه الوفود من كل لبنان وفاء وعرفاناً، فيما غاب عنه بعض أدعياء النضال والعروبة جحوداً ونكراناً.
ان قصة زياد الحمصي، الرجل المناضل والثائر الفذّ، تتطلب إعادة قراءة مركّزة، ليس لإنصاف بان العروبة البارّ وحبيب سعدنايل، وإنما منعاً لتزوير التاريخ والافتئات عليه، وجعل البطولة والنضال والمقاومة أسهماً في بورصة المقاصات المذهبية والطائفية والاتهامات الجزاف بالعمالة كأحد أوجه الاغتيال السياسي.
من تنصفه الناس، وتتوجّه بكل الحب في وداعه المهيب، الذي أضافت مسامحة أسرته الكريمة لابنة زحلة التي صدمته بسيارتها، لا يستدعي انصاف من تنكّروا له في محنته ويتنطحون اليوم طمعا باستعطاف شعبيته في محنة انتخابات نيابية عابرة..
وللحديث بقية..